اغلق القائمة

الثلاثاء 2018-11-132017

القاهره 02:27 ص

بروفايل الكائن المتوسط

السبت، 23 فبراير 2013 08:46 م

للكائن المتوسط علامات، قد عرفناها وعايشناها خاصة فى مرحلة ما بعد «يناير 2011» ومن علاماته ألا يكون له رأى، إن سألته همهم، وإن حاصرته تهرب، وإن ألححت عليه «زوغ» وإن تتركه «تلون» وهذه الميزة هى ما أكدته الوقائع التى أعقبت الثورة، فهو مع أى سلطة، بشرط أن يترك الباب مواربا مع المعارضة، يخدم السلطة جيدا ويبيض وجهها بوجوده المتأرجح، فتستخدمه السلطة وتوظفه كما يستخدم مدرب كرة القدم «المسَّاك» الذى لا يفعل شيئا فى المباراة إلا مراقبة هداف الفريق المنافس، وتتجلى براعته ويصبح وجوده أهم وأجدى حينما يلعب هذا الدور موهما الجمهور بأنه «الحكم» وما هو إلا لاعب مخفى، بل اللاعب رقم «1» فى معادلة الفساد «الشيك».

لا يتميز الكائن المتوسط بشىء يذكر، فهو فى مجاله «متوسط القيمة» ووسط أقرانه «متوسط» الحضور، متوسط الفهم، متوسط الذكاء، والمشكلة الحقيقية هى أنه يظن نفسه «رمانة الميزان» برغم أنه ليس أكثر من «نفخة هواء» ينفخها الحاكم فى جانبه ليرجح كفته «زورا» إذا ما تساوت الكفتان، أو إذا ما رجحت كفة المعارضة، فهو المخزون الاستراتيجى من الزيف، والاحتياطى النقدى فى سوق سياسة النخاسة، والسمسار لا يملك شيئا غير لسان أجوف يتلون يمينا ويسارا.

يحتفظ الكائن المتوسط دائما بحيل وألعاب يمارسها وقت «الزنقة» فإن سألت عن رأيه فى شىء اضطرب، فما الرأى إلا اختيار، وهو الذى اختار ألا يختار، وإن تساءلت عن موقفه ضاق خلقه، فمن مواقفه ألا يكون له موقف، يفضل أن يومئ برأسه إيماءة غامضة، كى لا يعطى أحدا حجة عليه، وإن اكتشفت كل تلك الحيل وأجبرته على التصريح بكلمة قالها بصعوبة، فإن قلت له مثلا: قلها صريحة نعم أم لا وكان يرى أن الموجة مع «نعم»، يقول لك مكشرا «نعم»، فإن كانت نعم صائبة، ظل يتباهى برأيه مسوقا إياه على اعتبار أنه الرأى الأمثل، وإن كانت مخطئة، ظل يذكرك بعمق تكشيرته وهو يقولها لك، مؤكدا أنه لولا كذا وكذا وكذا لما قال نعم أبدا.

يعرف الكائن المتوسط أن وجوده مرهون بوجود آخرين أكثر صراحة ووضوحا منه، ولذلك يتودد إلى الجميع، ويمد من نفسه جسرا للجميع، لا لكى يقرب بينهم ولكن ليكون له دور دائم، ولذلك إن رأى الظلم من أحد الجانبين، «تلكك» بأى شىء فعله الفريق الآخر ليقول إن الجانبين مخطئان، فهو يظن أنه بهذه اللعبة لا يغضب أحدا، وإن حدث وأغضب أحد الأطراف «راضاه» واعتذر له سرا، وانتهز أى فرصة ليمرر له كلمة ود، لا لأنه على حق وإنما لأنه لا يريد أن يخسره، وفى الحقيقة يضمر الكائن المتوسط نزوعا واضحا نحو التملك، فهو حينما يقول إن الطرفين مخطئان، لا يريد بهذه الكلمة أن ينزع فتيل النزاع، لتهدئة الأمور، وإنما يريد أن يبخس الطرفين ليعلو هو، ليترقى درجة عند الأطراف المتصارعة، أو ليترقى درجتين عليهما، فهو الصورة العصرية لعبدالله بن أبى بن سلول، والجرافته الفرنسية التى استوردها «بدران» صديق أدهم الشرقاوى، وهو مشنقة الخيانة التى التفت على عنق «طومان باى» غير أنه من المؤلم أن هذا الكائن لا ينكشف على حقيقته إلا فى كتب التاريخ بعد انجلاء الحقائق، أما فى الحاضر، فلا عجب إن رأيته ناشعا فى الهواء مثلما تنشع رائحة العطن.