اغلق القائمة

الخميس 2018-11-152017

القاهره 12:14 ص

مشروبات «عم أحمد»

الخميس، 10 أكتوبر 2013 10:02 ص

انتابنى إحساس كذلك الذى انتاب أرشميدس حينما اكتشف نظرية الطفو، وكدت أن أصيح «وجدتها» حينما رأيته لأول مرة فى ذلك اليوم الصيفى الجحيمى الذى يجبرك على حساب عدد خطواتك فى الشمس، ويرهبك من لحظة دخولك سيارتك مستعدًا لتلقى موجة من اللهيب الصاعد من المقاعد.. كان يقف بشكل استثنائى فى شارع جامعة الدول العربية، على ناصية تقاطع شارع البطل أحمد عبدالعزيز أسفل جريدتى «اليوم السابع»، فهرولت نحوه آملا فى كوب عرقسوس «من بتاع زمان» يدخلنى فى موجة من تذكارات الأيام الخوالى، وحينما تذوقت مشروباته كدت أن أهتف: هنا فى المهندسين، بائع مشروبات أصلى، يعرف قيمة الطبيعة ويحيى مشروباتنا الأصلية بحرفية نادرة ومذاق لا يُنسى.
«عم أحمد».. هكذا عرّف نفسه، وهكذا صرت أناديه، لغته وأسلوبه لا يدلان أبدًا على أنه بائع متجول، وتكاد تشعر أنه «صاحب رسالة»، ترى الزهو فى عينيه، وهو يفتخر قائلا: كل مشروباتى «أورجانيك»، لا يلوثها بألوان صناعية، ولا يزيف طعمها ورائحتها بمكسبات الطعم والرائحة التى لا نعرف من أين أتتنا وكيف انسربت إلى أفواهنا. ويومًا بعد يوم، بدأ «عم أحمد» يطوّر نشاطه بشكل ملحوظ. صار «عم أحمد» أكثر حرفية فى إعداد مشروباته المتنوعة «سوبيا، تمر هندى، عرقسوس، دوم»، وصار أيضًا أكثر ثقة فى مشروباته التى اعتاد الناس على تزييفها بمكسبات الطعم والرائحة، فتراه يقول لزبائنه: «خد بالك التمر عندى مختلف ولونه مش هيعجبك»، ثم يقول: «بس الطعم.. دوق واحكم».
حدثنى «عم أحمد» عن حلمه الكبير، فقد كان يريد أن يزرع كل ما ينتجه من مشروبات، وهو ما تم بالفعل، وصار ينتج العرقسوس بيده، ويزرع الأعشاب الطبيعية بيده، يزرع ويتاجر ويصنع، وفى كل يوم يحلم بإضافة جديدة، فصار يزرع التوابل أيضًا، ثم جدد فى طريقة تقديم مشروباته، وصار حريصًا على وضعها فى أكواب بلاستيكية لأنها «صحية»، وصنع زجاجات بلاستيكية لمن يريد كميات أكبر، على كل زجاجة أو كوب وضع «استيكر» مكتوبًا عليه «مشروبات عم أحمد».
من وجهة نظرى، فإن «عم أحمد» هو نموذج من نماذج الشعب المصرى المكافح، لم يستسلم لبلادة الدولة، وندرة اعتنائها بأبنائها، واعتنى بنفسه، واستطاع أن ينفذ من «خرم إبرة» ليصنع من 1/10 فرصة حياة كاملة وحلمًا يتنامى.
ربما لا يعرف «عم أحمد» أن الرسالة التى يحملها والحلم الذى يعمل من أجله أمران يمسّان عمق الثقافة المصرية، وربما لا يعلم المتشدقون بـ«الهوية المصرية» أن ما فعله «عم أحمد» أضعاف ما فعلوه بكلماتهم الميتة.. فقد أحيا هذا المواطن الحالم صناعة تكاد أن تختفى، وعاد بالمشروبات المصرية إلى أصلها، بعد أن غرقنا فى مشروبات غريبة عنا، وصرنا تابعين للغرب حتى فى مشروباته وأكلاته، تاركين مشروبات «عم أحمد» ذات الأصل الفرعونى الطبيعى لنفتح بطوننا لمشروبات «العم سام»، وبدلاً من أن تشجع الدولة مثل هذه المشروعات الأصيلة التى تحافظ على الصحة، وتعالج بعض الأمراض، وتشغل الأيادى العاملة، صارت تحاربها وتقصيها عن حياتنا وشوارعنا بدلاً من أن تنميها وتحافظ عليها وتقدمها للمواطنين بشكل حضارى وجمالى وأصيل فى الوقت ذاته، ولو كان الأمر بيدى لكافأت «عم أحمد» على هذا المشروع، ولاعتنيت بأمثاله وشجعتهم على ما يصنعونه من خدمة ثقافية وطنية أصيلة تقف بمفردها فى شوارع لا ترحم.