اغلق القائمة

الأحد 2018-09-232017

القاهره 06:25 ص

قل لمن يبكى على «أندلس» درَس.. واقفاً ما ضرّ لو كان جلس

الأربعاء، 09 يناير 2013 03:50 م

منذ أيام قام بعض الشباب بحملة تدوين على مواقع التواصل الاجتماعى لإحياء ذكرى «سقوط الأندلس»، سرعان ما تحولت هذه المناسبة إلى «مندبة» حامية طالب فيها الشباب القادة العرب بإعاة أندلسنا إلينا بعد أن أصبحت «إسبانيا النصرانية»، وهو ما دعا البعض إلى التندر على كلمة «سقوط»، مطالبين الناحبين بتفسير تلك الكلمة، خاصة أن إسبانيا أحد أعضاء الاتحاد الأوروبى الذى يموت كل عام عشرات الشباب العربى المسلم على شواطئه طمعا فى هذا «السقوط»، ثم انقلبت الآية، بعد أن كان «سقوط الأندلس» مدعاة للنحيب، أصبح مناسبة للسخرية، حتى إن الشباب تداولوا مزحة تقول «إلى برشلونة وريال مدريد.. نريدكم أسمنت أسيوط وبنى عبيد»!

حينها كتبت على صفحتى بالفيس بوك تذكيرا ببوادر سقوط الأندلس، وقلت إن داء التعصب الأعمى هو الذى تسبب فى هذا السقوط، فمن وجهة نظرى فقد ذبلت الأندلس رويدا رويدا حتى سقطت داخليا على يد أبنائها، قبل أن تسقط على يد أعدائها. وقلت إن أول الأسباب التى عجلت بتسرب الأندلس من بين أيدينا هو استيلاء دولة الموحدين «المتطرفة» على الحكم، وأشرت إلى ممارسات قائدها «محمد بن تومرت» المتطرفة التى استولى بها على عقول أتباعه، فصنع منهم جيشا من العبيد المغيبين تحت شعار «الأمر بالمعروف والنهى عن المنكر»، موهما إياهم بأنهم يطبقون شريعة الله ويحاربون أعداءه، وهو ذات الأمر الذى يحدث الآن. وأوردت مثالاً دالاً على استبداد «بن تومرت» بأتباعه الذين استخفهم فأطاعوه، فقلت إنه كان يقيم لهم يوماً عرف باسم «يوم التمييز»، وفيه كان يختبر مدى ما يتمتعون به من «سمع وطاعة» فيمر على صفوفهم المرصوصة، ويشير على أحدهم قائلاً هذا من أهل النار، ويشير على آخر فيقول هذا من أهل الجنة، حتى وصل عدد من وضعهم فى «أهل النار» إلى سبعين ألفا، فأمر بهم أن يقتلوا، وأن يلقوا من أعالى الجبال حتى يطهرهم من ذنوبهم ويذهبوا إلى الجنة، فقتلوا وألقوا من فوق أعالى الجبال وسط صيحات التكبير والتهليل.

كنت أريد من سرد هذه القصة أن أشير إلى عاقبة تصديق من يدعون أنهم يقيمون شرع الله، والله وشريعته منهم براء، وكان هذا على نطاق ضيق لا يتعدى أصدقائى على الفيس بوك، لكنى فوجئت بأن أحد هؤلاء الأصدقاء مشكوراً التقط صورة لهذا «البوست» وتداولها على بعض الصفحات، فصعقت من أحد التعليقات الذى ادعى صاحبه أنه متخصص وقارئ جيد لتاريخ «الأندلس المفقود»، منكراً ما جاء بكلمتى من معلومات، قائلاً إن قائد جيش الموحدين لم كن محمد بن تومرت، إنما كان محمد بن تاشفين، وإنه لم يقرأ- على طول إطلاعه بتاريخ الأندلس كما زعم- هذا الكلام، ولست أعرف كيف يدعى صاحب هذا التعليق أنه على علم تام بتاريخ الأندلس، وقد حفظت «كل» الكتب والمخطوطات الخاصة بتاريخ الأندلس واقعة «يوم التمييز»، واستفاضت فى شرحها، ولا أعرف كذلك كيف يزعم هذا الزعم، ومعلوم من التاريخ بالضرورة أن «يوسف بن تاشفين» وليس «محمد بن تاشفين» هو مؤسس دولة المرابطين، وليس الموحدين.

ووقتها تساءلت، إن كان هذا هو حال من يدعون أنهم عارفون بتاريخ الأندلس، فما الحال مع من لم يعرفوا عنه شيئاً، ولم يسمعوا غير نحيب الناحبين على «الأندلس المفقود»؟

هنا ازددت يقينا بأن من أول أسباب انتكاساتنا هو جهلنا بتاريخنا الذى لا نعرف عنه شيئاً، وإن عرفنا نعرفه مشوها على يد المغرضين الذين يستغلون عزوفنا عن القراءة، فيحولون دفة التاريخ لصالحهم، وهى الظاهرة التى تتكرر بشكل مريب فى واقعنا الآن على يد من يدعون أن سبب انهيار الحضارات هو إقامة ما يسمونه «شرع الله»، ناسين مثلاً أن الدولة العباسية التى تعد أكبر دولة فى التاريخ الإسلامى شهدت أقوى مراحلها حينما كانت الحرية الدينية والفكرية مزدهرة، بينما صارت مطية للتتار حينما اعتمدت على أسلوب الإقصاء والتكفير، لكن لأن مشهد «سقوط الأندلس» هو الذى يجسد معنى السقوط حرفياً، فإنى أرى أننا بحاجة ماسة إلى التذكير به الآن علّنا نتدارك أسباب السقوط الذى كانت بدايته نهاية دولة المرابطين، وبداية دولة الموحدين على يد قائدها «محمد بن تومرت».

فى نهاية دولة المرابطين حرقت كتب الإمام أبوحامد الغزالى، بأمر الحاكم على بن يوسف فى سنة 503، وما هى إلا سنوات حتى انتهت تلك الدولة على يد المهدى محمد بن تومرت الذى يقول عنه المؤرخ الكبير محمد عبدالله عنان وعن هذه الدولة فى كتابه المهم «دولة الإسلام فى الأندلس»: شاء القدر أنه حول سيرة دولة الأندلس من التقدم والتوطد إلى الإدبار والانحلال المفاجئ، فبينما هى فى أوج قوتها ورسوخها إذا بها تجد نفسها فجأة أمام فورة دينية صغيرة يضطلع بها فقيه متواضع، وتضطرم بسرعة مدهشة حتى تغمر كل شىء فيها، وتستغرق كل قواها ومواردها، ثم تنتهى بعد صراع قصير الأمد بالقضاء عليها، تلك هى ثورة المهدى بن تومرت.

وقد بدأ ابن تومرت ثورته، وأنشأ دولته على أنقاض دولة المرابطين، ليصبح عنوانا لنهايتين، الأولى نهاية دولة المرابطين، والثانية نهاية الوجود العربى فى الأندلس، وكما يقول «عنان» فإن دعوى ابن تومرت «قامت فى البداية على شعار الأمر بالمعروف والنهى عن المنكر، وبدأت رياسته السياسية فى وطنه بسوس الأقصى وفى قبيلة هرغة وغيرها من بطون مصمودة، وإذن فقد كانت المعركة بين المرابطين والموحدين تصطبغ فى نفس الوقت بالصبغتين الدينية والقومية». ويورد «عنان» تحليل العلامة «جولد سيهر» على هذا الشعار الذى رفعه ابن تومرت، مبينا ما به من استغلال للدين من أجل الرياسة والسياسة، قائلاً: «كان أولئك الذين يحاولون تغيير المنكر وتغيير وجه الأمور رجالا متحمسين مخلصين، ولكنه كان أيضا ذريعة لمغامرين أذكياء يحاولون الوصول إلى السلطان بطريقة سهلة، فيسبغون الصبغة الدينية على حركة ثورية، وقد كان مبدأ الأمر بالمعروف شعار الحركات السياسية لقلب أسر حاكمة، ورفْع آخرين مكانها، وهو يبدأ بنقد الأسرة الحاكمة ثم يتلو ذلك شهر السيف وإثارة الجموع، فإذا نجح ذلك تم الوصول إلى الغاية المنشودة، وقد كان هذا الشعار كلمة تجمع لثورات أسر فى المشرق، وكذلك فى أفريقية الشمالية التى كانت دائماً مهاداً خصبة لأولئك الذين يريدون إقامة صرح سياسى فوق أسس دينية، ولم تكن بين هذه ثمة حركة، ولا فى أوائلها ولا فى تقدمها، تضارع فى اتساع نطاقها تلك الثورة التى أدت فى أعوام قلائل إلى طرد المرابطين».

ولأن شعار «الأمر بالمعروف والنهى عن المنكر» كان دائما ما يثير العديد من الأزمات والقلائل برغم أهميته الدينية والاجتماعية، أجمع العديد من الفقهاء والعلماء والمفكرين على أن المخول بتنفيذ هذه الشعيرة هو الدولة بمؤسساتها الأمنية والقضائية، لكن هذا ما لم يقنع «ابن تومرت» الذى احتكر «الأمر بالمعروف والنهى عن المنكر» فأثار القلاقل، وأحدث فتنة كبرى فى بلاد المغرب العربى، ولكى يؤسس لحكمه وكرامته اختلق العديد من الأساطير التى تؤكد أنه من أصحاب الكرامات، وذلك لكى يضفى على نفسه مسحة قدسية جعلت منه آمراً مطاعاً، منها مثلاً أنه كان يمشى على الماء، ومنها أنه تتلمذ على يد الإمام أبوحامد الغزالى، ومنها أنه حفيد رسول الله، وقد أثبت المؤرخون والباحثون زيف هذه الادعاءات وكذبها واستحالتها، لكن برغم ذلك صدقه الكثيرون، وأسهموا بتلك الثورة فى استنزاف دولة الإسلام ما بين الحروب الداخلية والفتن القاتلة، فلم يكتف «ابن تومرت» بذلك، إنما ادعى العصمة ورمى المرابطين بالكفر، وادعى أنهم من «المجسمة»، قائلاً: «إن مَنْ يعمل تحت حكمهم ومَنْ يَرض بحُكمهم، هو من الكافرين» وبناء على ذلك استحل دماءهم، كما استحل دماء تابعيه عن طريق يوم التمييز الذى شرحه ابن الأثير فى الكامل باستفاضة، كما شرح تفاصيله الإمام الذهبى فى سير أعلام النبلاء.

الخلاصة أن «ابن تومرت» تمكن من خلال دعواه «إقامة شرع الله» من الاستحواذ على عقول أتباعه، ومن خلال هذه الكذبات المتوالية، أنشأ «ابن تومرت» دولته، ويشاء القدر أن تنتهى تلك الدولة بنهاية أشبه بنهاية دولة المرابطين، فقد أمر الخليفة أبويعقوب المنصور بإحراق كتب العالم الكبير «ابن رشد» قاضى القضاة، لما كان يرى فيها من علوم وأفكار اتهمه بسببها بالكفر والإلحاد، ليموت بعدها بفترة ويتولى ابنه محمد بن يعقوب الحكم الذى انهزم أمام ألفونسو الثامن فى معركة «حصن العقاب» التى تعد النهاية الحقيقية لدولة الإسلام فى الأندلس.

قديما قال أبونواس: «قل لمن يبكى على طلل درس.. واقفا ما ضر لو كان جلس»، وهو البيت الذى شعرت أننى أنشده إلى الباكين على أطلال الأندلس المفقود، بينما هم يكررون أسباب الفقد بحذافيرها، فما ضركم لو جلستم وقرأتم قليلا لتعرفوا على من يحق البكاء، ولتسألوا أنفسكم: ترى كم «ابن تومرت» موجودا بيننا الآن؟ وإلى متى ستظل شعيرة «الأمر بالمعروف والنهى عن المنكر» وشعار «شرع الله» سببا فى التناحر وإشارة للسقوط؟