اغلق القائمة

الخميس 2018-09-202017

القاهره 01:02 م

وصايا «عم إبراهيم» فى مقالاته بـ«اليوم السابع»

الإثنين، 07 يناير 2013 02:12 م

لم يكن «عم إبراهيم أصلان» كاتبا والسلام، كذلك لا تقاس محبته فى قلوب مريديه بحجم إنجازه الأدبى الكبير فحسب، وإنما من السهل جدا أن ترى فى عين كل واحد ممن تعرفوا إلى «عم إبراهيم» حنينا استثنائيا لهذا الكيان الإنسانى العطوف، تشعر به وكأنه طراز خاص من البشر، هادئ جداً وثائر، بسيط جداً ومركب إلى أبعد الحدود، يبتسم فتشعر وكأن خُلق مبتسماً، يصمت فترى الحزن بين عينيه ساكنا، لكن أبزر ما كان يميزه هى تلك الدهشة المصاحبة له فى كل انفعالاته، يعيش العالم وكأنه طفل نسى أن يكبر، فكبر عنه جسده دون أن يشعر، بينما ظلت روحه الصغيرة نقية متألقة متدفقة شاردة.

اليوم هو الذكرى الأولى لرحيله الموجع، سنة مرت منذ أن أعلنت شوارع مصر الحداد الشعبى تأثراً بغياب أروع مرتاديها، فإن كان نجيب محفوظ هو أكبر من كتب عن الحارة المصرية وتفاصيلها، فقد كان «عم إبراهيم» هو المجسد الحقيقى لهذه الحارات والشوارع بعد أن تغير شكلها وبعدت معالمها عن حارة نجيب محفوظ، فقد كان أصلان هو العابر الرسمى لتلك الحارات والمعبر عنها فى «آن» فإن كان محفوظ قد عبر عن القديمة بأحيائها العتيقة وناضلها المستمر، فقد عبر أصلان عن امتدادات هذه القاهرة بعد أن بعدت عن عين الدولة وأفلتت من قبضتها فصارت تجمعاً إنسانياً محضاً، تبرز فيه قضايا الإنسان واحتياجاته وتفاصيله باعتبارها المقصد والمبتغى، منصباً نفسه درويشاً للشوارع الساخنة من لهيب الإسفلت المملوءة بالبشر الحائرين، فقد عمل فى بداية حياته ساعياً للبريد وظل طوال حياته مجاهداً ليصل «الجواب» المطمئن إلى الأنفس المتسائلة.

72 عاما قضاها عم إبراهيم فى شوارع القاهرة، بادئا حياته فى حى إمبابة قبل أن تلتهمه العشوائية، ثم كانت آخر أيامه فى الحياة أعلى هضبة المقطم، وكأنه كان يريد أن يصعد بروحه الخفيفة فوق ضجيج الوادى محتفظا لنفسه بتلك المتعة المتأرجحة، ففى إمبابة كانت متعته كثيراً ما يستقل «فالوكة» فى النيل مستمتعاً باهتزاز الماء من تحته، ولما ترك هذا الحى الحبيب إلى نفسه بعد أن حجبت الأبراج العالية بهاء النيل ظل يبحث عن كرسى هزاز ليجلس عليه مستمتعاً فى شرفته بالمقطم وكأنه يريد أن يحتفظ بـ«نيله» الخاص واهتزازه الطفولى المحبب متحدياً قسوة الواقع وخشونة العيش فى دولة تأكلها العشوائية ويستبد بها الجهل ويفترسها تجار القيم ومحترفو النصب باسم الحق والخير والحرية.

أتذكر اليوم وقت أن كنا نعد لإصدار العدد اليومى من جريدة اليوم السابع قبل ما يقرب من سنتين فاقترحت على الصديق خالد صلاح رئيس التحرير عدة أسماء من كبار كتابنا لنتوج بهم الصفحة الأخيرة، وكان على رأسهم عم إبراهيم بجانب كاتبنا الكبير الراحل خيرى شلبى فوافق «صلاح» فوراً وأوكل لى مهمة عرض الأمر عليهم، فهاتفت: «عم إبراهيم» والفرحة تملؤنى، وتضاعفت فرحتى حينما قال لى بخجل حقيقى «ع البركة» فصدر العدد الأول من الإصدار اليومى مزينا بمقاله الفتان «كلمات صغيرة عن أمل» مسترجعاً ذكرياته مع أشعار أمل دنقل مضيفا بتأملاته الإبداعية والإنسانية بعداً غائباً عن معظم صحفنا.

فى المقالات التى كتبها «عم إبراهيم» فى «اليوم السابع»، كان كثيراً ما يضع تأملاته فى الحياة والواقع مطعما إياها بخبرته الإنسانية الفريدة، لننظر إليها الآن وكأنها «تنبؤات ووصايا» كان يريد من خلالها أن يؤكد على رسالته الجمالية فى الحياة، فقد مات بعد أيام من حرق المجمع العلمى ولم يفته أن يرثيه فى مقالة متألمة نشرت فى يوم الجمعة 23 ديسمبر بعنوان «هذه الأيام وما تلاها» قائلاً إن من أحرقوا المجمع العلمى مجموعة من «التتار الصغار» محذراً من سقوط هيبة الجيش ومكانته معتبراً سقوطه «خيبة أمل كبيرة» مستكملاً: لقد بنى هذا الجيش مكانته التاريخية فى قلوب المصريين على مدى سبعة آلاف عام، فكم من الأعوام نحتاج لاستعادتها» ولأنه ليس من هؤلاء الذين يجيدون النحيب دون أن يرسموا طريق الأمل، كان كثيراً ما يحدثنا عن قراءاته بصدق فنى نادر، فقد كان له مع كل كتاب من الكتب التى قرأها «حكاية» كان يجيد حكيها كعادته، فيضيف إلينا وعياً موازياً لوعى الكاتب الأصلى، ويسبغ علينا من خبرته وتأمله ما يجعل الإفادة إفادتين.

كانت مقالاته عبارة عن «صرخات هادئة» يكسوها الحزن أكثر مما تعتريها الضوضاء، مستبشعاً فكرة استغلال احتياجات الناس الأساسية ورشوتهم من أجل الحصول على أصواتهم الانتخابية يقول وكأنه يجلس معنا الآن على إحدى مقاهى القاهرة: ادينى عقل حضرتك، كيف ينظر هؤلاء إلى الناس من حولهم وأى دناءة أكثر من امتهان كرامتهم واستغلال عوزهم وشقاء أيامهم؟ وكيف يدعون أنهم يؤمنون بهم ويسعون لتمثيلهم والدفاع عن قضاياهم، بينما هم لا يتورعون عن تجريدهم من أصواتهم، سلاحهم الوحيد فى مواجهة القهر والامتهان، والمصيبة أن يتم ذلك، وعلانية، فى مقابل مثل هذه الرشاوى البائسة، ولماذا».

ولنا أن نقف مع إحدى مقالاته وأستقطع منها حكاية قصها مسترجعا واقعة حدثت معه حينما كان فى إحدى مؤتمرات العراق فسرد حكاية فى مقالته المنشورة فى الجمعة 2 ديسمبر 2011 عن خفير فى مشرحة بالعراق «كان يشرب الشاى ويدخن» بينما وجد أحد الموتى ينفض عنه كفنه ويتحرك، فارتعب الخفير وأمسك بمسدسه وأطلق عليه النار فمات الميت بعد أن استيقظ من الموت، ثم يقول: قبض على الخفير إذن، وانشغلت بغداد كلها بحكاية الرجل الذى استيقظ من الموت والخفير الذى أطلق عليه النار، من خوفه، وأرداه قتيلاً، وبدأت المحاكمة مع الأيام الأولى لوصولنا، وكان دفاع أهالى المتوفى يطالبون بالحكم على الخفير بالإعدام لأنه كان يجب أن يتثبت أن الرجل كان حياً قبل أن يطلق عليه النار، بينما ارتفعت أصوات الدفاع عن المتهم تطالب بالعقوبة المخففة مراعاة للحالة النفسية التى كان عليها، مضيفاً: سيطرت القضية إذن على الدنيا من حولنا ورحنا نلمسها ونتابعها فى البيوت والشوارع والمقاهى والبارات وصالات الفنادق والمطاعم وخلافه، وحينئذ تطوعت جماعة ممن اعتادوا تصدر المشهد وطالبوا ببراءة المتهم لأن القتيل كان استخرجت له شهادة وفاة، أى أن من أطلق النار لا يحاسب قانوناً لأنه أطلقها على من لا وجود له، هكذا صار جدلاً جديداً، مؤداه أن الضرب فى الميت حلال، حتى لو كان حياً، ويختم عم إبراهيم المقال بقوله: للأسف، القضية لم تنته حتى عودتنا من هناك، ولعله أراد بتلك القصة الرمزية الواقعية أن يمزج بين واقعنا وبين ما حدث فى تلك الواقعة، فمن الممكن أن نعتبر مصر هى القتيل الذى بعثت فيه الحياة، وأن خونة الثورة هم من أطلقوا عليها النار بعدما هزهم الرعب منها بعد أفاقتها من ثباتها، وكما رحل عم إبراهيم من العراق قبل معرفة مصير الخفير أو خونة الثورة، رحل أيضاً عن عالمنا دون أن يقول لنا عن قصده بالتحديد من تلك القصة.

غير أن كاتبا مثل «إبراهيم أصلان» لم يكن ليغيب قبل أن يوصينا ويعلمنا، مشيراً بطرف خفى إلى من يتذمرون من اختيارات الناس لنوابهم ورؤسائهم قائلاً: «لا مفر من القول أخيراً بأن الجمال أو القبح المادى فى أى مكان ما هو إلا تجسيد لما داخل الناس» موجهاً أعيننا إلى ما ينبغى أن نلتفت إليه ألا وهو إصلاح ما بالناس من أعطاب وأمراض وجهل لتستقيم اختياراتهم وتتحسن، قائلاً فى مقالة أخرى: فى ظل هذه الأحوال المستجدة لا يبقى علينا إلا أن نؤمن بالناس وندرك أنهم ثروتنا الحقيقية، وأن نحسن وفادتهم فى أوطان يمتلكونها.
حاضر يا عم إبراهيم