اغلق القائمة

الأربعاء 2018-09-262017

القاهره 04:48 ص

صباحى والمدرسة الوطنية الجديدة

الإثنين، 28 مايو 2012 12:01 م

فى عمق المأساة تكمن البشارة، فها هى انتخابات الرئاسة المصرية تخرج علينا بمعادلات سياسية جديدة، لها من القبول الشعبى الكثير، ولها من الوجاهة النظرية ما جعلها تقدم طرحا فكريا يتناسب مع أحلام ثورة يناير فى «العيش والحرية والعدالة الاجتماعية»، فبعد ما يقرب من عام ونصف وجدت الثورة بوصلتها الجديدة متحدة خلف حمدين صباحى الذى انتشر عنه الوصف إنه «بعد ما كان واحد مننا أصبح حلمنا كلنا».

نعم أصبح دخول حمدين صباحى إلى جولة الإعادة حلم أغلبية المصريين، وفى أسابيع قليلة، أعاد المواطن المصرى اكتشاف هذا الرجل، ولاح فى الأفق ما يمكن أن نطلق عليه شخصية سياسية جديدة هى ابنة اللحظة الراهنة، شخصية تأخذ من الماضى أجمل ما فيه، وتنظر إلى المستقبل بعين ثاقبة وروح وثابة، تتخفف من أعباء النظريات التقليدية، وتتطلع إلى غد أفضل من الأمس عن طريق إعادة إحياء المجد المصرى بطريقة حديثة، لا عن طريق إخضاع الغد لمعطيات الأمس.

لا أبالغ إذا قلت إن الثورة لم تكن طوال تلك المدة قد عرفت نفسها، كنا نندفع بشعور غير محدد، وأذكر أن أحد الشباب «العاديين» الذين اشتركوا فى الثورة قال فى مداخلة تليفزيونية إن سبب حرصه على التواجد بميدان التحرير هو أنه يريد أن يرى مصر التى سمع عنها فى كتب التاريخ، وقت أن كانت مصر المنارة والقائدة والمعلمة الأبية، وفى تلك المقولة ما يلخص رغبة المصرى العارمة فى أن يرى وطنه المتخيل وطنا حقيقيا، لا عن طريق الشعارات والهتافات ولكن على المستوى الواقعى العلمى الحديث.

التفاف الناس حول حمدين صباحى الآن يحل ألغازا كثيرة فى الشخصية المصرية التى كانت تهتف بسقوط حكم العسكر، وفى ذات الوقت ترفع صورة جمال عبدالناصر الذى أسس حكم العسكر فى مصر، لكن عبدالناصر هنا فى المظاهرات والمسيرات يختلف عن عبدالناصر الذى نعرفه فى كتب التاريخ، فالناس تريد ناصر الرمز والحلم والكبرياء، لا ناصر الكبت والقهر والاعتقال، وهما وجهان للتجربة المصرية لا يقدر أحد على أن يتجاهلهما، حتى أعاد المصريون اكتشاف حمدين صباحى، فأعاد إلى الأذهان صورة ناصر الأولى.

من يدعى الآن أن حمدين صباحى ينتمى إلى ثورة يوليو يظلم الرجل ويقلل من شأنه، وبرغم أن الناصرية ليست سبة، وأن «ناصر» لم يكن شرا محضا، لكن المقارنة الآن ظالمة ومتسرعة وتقليدية مميتة، فثورة الخامس والعشرين من يناير لم تكن لتعيدنا إلى ثورة يوليو بأى حال، لكن لها أن تستفيد منها وأن تحافظ على مكتسابتها وأن تضيف لها آليات جديدة تحفظ لمصر ديمقراطيتها المنتزعة، وحريتها التى مازالت تعانى من أنياب العسكر.

وسط هذه المعركة، تكشف الواقع عن بذور مدرسة وطنية جديدة، وجدت خطابها وأسست لنفسها شرعية شعبية كبيرة، معتمدة على المدارس النهضوية الفارقة فى تاريخ مصر سواء تلك التى أنشأها محمد على أو أسسها جمال عبدالناصر، مدرسة تعلى من قيمة الوطن واستقلال قراره، وتنتمى إلى فقرائه وفلاحيه وعماله، ولا تحرم المواطنين من التطلع للغد، ولا تقف حائلا أمام طموحات رجال الأعمال بشرط ألا تكون ظالمة، مدرسة تعتز بجيش مصر الوطنى، ولا تجعله غولا ينهش الأخضر واليابس، ولا كيانا مترهلا متخاذلا ضعيفا يتكلم عن السلام أكثر مما يتكلم عن قدراته وتطوير معداته وقدرات أبنائه، مدرسة تعرف أن مصر مصرية، ولها من الأحقية ما يجعلها قائدة للجميع وليست تابعة لأصاغر العالم أو أكابره، مدرسة تليق بثورة يناير التى نهش المنتفعون لحمها وطحنوا عظامها.