اغلق القائمة

الجمعة 2018-11-162017

القاهره 03:41 ص

القوة فى طرح الأكاذيب

الأحد، 20 مايو 2012 11:51 ص

فى مقال سابق قلت إن المثقفين والمستنيرين وأصحاب الرأى عادة ما يطعّمون كلامهم بمصطلحات على شاكلة «فى ظنى، من وجهة نظرى، فى اعتقادى»، لكن من لم تمسسه ثقافة أو علم، يطرح وجهة نظره باعتبارها وحى منزل، ويقين قاطع، وبرهان ساطع، ولا تقف حدود تلك الملاحظة على إبراز الفرق بين الخطابين ومدلولاتهما، ولكنها تتعدى ذلك إلى رصد أثر كل من الخطابين، وللأسف فإن الخطاب اليقينى لأصحاب الآراء المتحجرة، أثبت أنه الأجدى والأكثر إثارة وجذبا، والأكثر قدرة على حشد المؤيدين والمناصرين.

تسألنى لماذا؟ وأقول لك: ذلك لأننا مجتمع يعشق ثقافة «هات من الآخر»، ولا يهتم بعرض المشكلة وأسبابها وآثارها وأعراضها وفى النهاية حلها، مجتمع تشكل معظم أفراده باعتبارهم متكاملين ومكملين، لا يحتاجون إلى أسباب ولا يعوزون معرفة، وبمجرد أن «تجيب من الآخر»، يصدر حكمه هو الآخر «من الآخر»، ولأننا نعانى من فقر ثقافى، واضمحلال معرفى، تصبح معظم أحكام المجتمع تقليدية، تركن إلى ما يسمى بالثوابت التى سرعان ما يتاجر بها المتاجرون، فتتشوه هى الأخرى وتصبح أداة نصب فى يد المتاجرين بالقيم.

وللأسف أيضاً فنحن نعيش فى مجتمع يحب «الخلاصة»، ويحب دغدغة المشاعر، ويعيش بمبدأ.. «إحيينى النهاردة وموتنى بكرة» وذلك كله أسهم فى أن صناع الأكاذيب أصبحوا الآن أمراء الكلام ويحتلون صدارة المشهد، ولا يعتمدون فى ذلك إلا على مبدأ القوة فى طرح الأكاذيب، والدفاع عنها باستماتة، والصمود عليها إلى آخر نفس، مستخدمين فى ذلك كل أنواع التضليل والإقناع والإغراء، ومستعينين بمتلازمة التشكيك والتخوين والتشويه على غرار سياسة العهر التى تتميز بقلب الحقائق والرمى بالداء.

لا تحسب أنى أريد هنا أن أنظر أو أن أرصد ظواهر ثقافية فحسب، وسبب قولى لتلك المقدمة الطويلة التى هى بالنسبة لى أهم من المتن، هو أننى فوجئت بالداعية صفوت حجازى يكيل الاتهامات للإعلام والإعلاميين، قائلا إن الإعلام المصرى «إعلام مسيلمة الكذاب»، ولو تأمل حجازى بصدق قبل أن يقول هذا الكلام لعرف من هو الكذاب، ومن هو الصادق، نعم يخطئ بعض الإعلاميين، وينافق البعض الآخر، ويقبل بعضهم «الاستعمال»، لكن الأصول تفترض أن يوجه كل لائم لومه إلى من يستحق اللوم، لا أن يعمم الحكم على الجميع، خاصة إن كانت جماعة «حجازى» من الإخوان خاصة والتيار المسمى بالإسلامى عامة، متهمة بوضوح بتهمة الكذب الصراح، فهم كذبوا حينما قالوا إنهم لن ينافسوا فى الانتخابات البرلمانية إلا على %30 من المقاعد، ونافسوا على %90، وكذبوا حينما أعلنوا أنهم لن يرشحوا رئيسا إسلاميا، ورشحوا بدلا من الرئيس اثنين وثلاثة، وكانوا يريدون أكثر، وكذب رجلهم «حازم أبوإسماعيل» فى أمر جنسية أمه، ومازال بعض الأبرياء يصدقون هذا الكذب، وكذب نائبهم البلكيمى فى أمر أنفه الشهير، وكذبوا حينما دعموا الجنزورى «لوجه الله»، وعادوه كما قالوا «لوجه الله أيضاً»، ويكذبون فى كل شعاراتهم وهتافاتهم، ويرددون «هى لله هى لله لا للسطلة ولا للجاه» وما يريدون إلا تسلطا ولا يبغون إلا الجاه والملك.

غير أن كل هذا الكذب يصبح صدقا بسبب تسترهم بالدين وتدرعهم باللحية، وترديدهم للأحاديث النبوية والآيات القرآنية فى ثنايا الخطب والمحاضرات، وتمتعهم بجهاز إعلامى جبار، يوصل إلى القلب والعقل ما تعجز المخدرات عن توصيله، معتمدين فى كل ذلك على طرح الأكاذيب بقوة، والثبات عليها إلى أقصى مدى، تماما كما كان يفعل مبارك، غير عابئين بأن تصبح خاتمتهم مثل خاتمته.