اغلق القائمة

الثلاثاء 2018-11-132017

القاهره 08:39 م

انتفاضة «الكتلة الأم»

الخميس، 29 نوفمبر 2012 12:11 م

كان مبهرا أن أرى فى مسيرة أمس الأول التى انطلقت من المهندسين إلى التحرير لافتات كثيرة، وجد كاتبها ضالته فى بيت شعر فحفظه وكتبه وحمله على يديه لسكون لسان حاله فى تلك المسيرة. أكثر من شاب وفتاة وجدتهم يحملون لافتات كتبت عليها تلك الرباعية الحادة المتحدية «نِفْسكُمْ.. تكمِّمُونا.. والوطن يسكن سُكاتُه.. مش هنسكت.. فاقتلونا.. ماحناش أغلى م اللّى ماتوا»!

يصل التحدى إلى مداه فى هذه الرباعية الموجزة الملخصة، وهى للشاعر الكبير عبدالرحمن الأبنودى الذى قلت عنه فى مقال سابق إنه «شاعر الثورتين» يوليو ويناير، ويبدو أن شاعرنا الأكبر أبى ألا يكون لسان حال كل الثورات، فحجز لنفسه مكانا بارزا فى ثورة تصحيح مسار الثورة، وكما بدأت ثورة يناير بـ«أيادى مصرية سمرا ليها فى التمييز» من قصيدته الأشهر «الميدان»، وكان لسان حالنا فى الانتفاضة المصرية ضد العسكر بقصيدته الفاتنة «ضحكة المساجين»، نبدأ معه وبه تلك الموجة التى نتعشم أن تكون الأخيرة فى الثورة على وجه الاستبداد الإخوانى الغشوم.

بدأت الثورة بالشِعر، واستمرت بالشعر، ها هى الآن تستعيد الشعر مرة أخرى، ليعلو فوق الهامات، ويصبح رصاصا فى وجوه المستبدين، وأجمل ما فى الأمر أن من حمل تلك اللافتات وسهر على كتابتها شباب وشابات «عاديين» ليسوا شعراء ولا كتابا ولا روائيين، ما يعنى أن الكلمة الحقيقة وصلت إلى مستحقيها، وأن «الكتلة الأم» التى تحدثت عن غيابها الطارئ عن مشاهد الحياة السياسية نزلت إلى الشارع منتفضة ضد استبداد مرسى وجماعته وزبانيته فى وزارة الداخلية، وويل لمن لا يكترث بتلك الكتلة العميقة القوية الحادة، وويل ثم ويل لمن يتجاهلها أو يقلل من شأنها أو يزدريها، فما ازدرى حاكم أمته إلا ووضعته تحت أحذيتها.

انتفضت «الكتلة الأم» كما فى يناير كذلك فى نوفمبر، لم تحسب حساب التيارات الدينية أو القوى المالية أو القوة العسكرية، أوجدت لنفسها مكان الصدارة، فاختبأ المخبولون فى الجحور، وانتابتهم حالة من الهذيان الهستيرى، بعضهم رأى الملايين فى ميادين تحرير مصر فتقمص أسوأ أدوار عمر سليمان، وقال إنهم قلة، وبعضهم بعد أن كان يتفاخر بأن التيار الإسلامى هو الوحيد القادر على حشد الملايين فى ميدان التحرير قال إن الميدان لا يستوعب مليونا!، وبعضهم قال إن الذى يسمونه رئيسا له من الأنصار أضعاف هذا العدد، وهذه الأقاويل لا تدل إلا على خطل واضح، وتزوير قبيح يفتقد أدنى مراعاة فروق التفكير، بين إناس تسمع وترى وتتكلم، وإناس تسمع فقط وتنفذ كأنها إنسان آلى لا يملك عقلا ولا وعيا ولا ذاكرة.

الأفدح من أكاذيب الإخوان على مليونيات أمس الأول فى ميادين التحرير فى مصر هو ذلك التجاهل الذى يصل إلى حد الإهانة من جانب هؤلاء الناس الذين يحتلون قصر الرئاسة، فلم تكشف أزمة الإعلان الديكتاتورى الذى أصدره مرسى وأعوانه عن استبدادهم فحسب، إنما كشفت أيضا عن حماقتهم السياسية. ففى حين أن «الحكم» يعنى بالضرورة «الحكمة» تمادى المتحدثون فى تحدى الشعب وانتفاضته الثورية، وأعلن أكثر من واحد منهم أنهم لن يعدلوا أو يغيروا أو يسحبوا ذلك الإعلان البائد، وبدلا من أن يحاولوا استيعاب الأصوات المعارضة وتهدئة روعها، تمادوا فى تحديها، ذلك بعد أن قال كبيرهم هذا إنه لن يستجيب لدعوات الاعتراض إلا حينما تنزل الملايين إلى الشوارع، وكان رد المصريين واضحا «عايز ملايين.. خد»، لكن حتى بعد أن كان الرد بليغا وعمليا استمروا فى تحديهم وإهانتهم للشعب، ناسين أن «مصر عارفة وشايفة وبتصبر.. لكنها فى خطفة زمن تعبر، وتسترد الاسم والعناوين».