اغلق القائمة

الإثنين 2018-09-242017

القاهره 01:23 م

كسوة الحزن العمياء

الثلاثاء، 20 نوفمبر 2012 02:01 م

لا أعرف اسمه، وإن حاولت الذهاب إليه بعد هذا اليوم ألف مرة لما استطعت، لكنى أعرف جيدا تلك التضاريس الزاعقة بالمصرية على وجهه، وأعرف أيضاً هذا الحزن الذى اكتسى به فكساه، رأيته فى يوم الحزن، يوم أن تشابهت البيوت وغامت الملامح، يوم أمس الأول حيث ذهبت إلى محافظة أسيوط ضمن وفد التيار الشعبى المصرى لتقديم العزاء إلى أهالى «ملائكة أسيوط» المقتولين بيد الإهمال والتقصير والطغيان، لم يقل كلمة منذ أن دخلنا إلى غرفة العزاء، لكنه وجهه كان بليغا ومعبرا عن حالة حزن استثنائية، فجأة أمسك بيده مصحفا من أحد خمسة مصاحف كانت موضوعة أعلى منضدة بالغرفة، وقال: كان بيحفظ فى المصحف ده، ثم انهمر فى بكاء حارق أبكى جميع الجالسين، فلم نعرف كيف نواسيه وقد أصبحنا نحن فى حاجة إلى المواساة.

كانت المصاحف متهالكة من كثرة استخدامها، تستطيع أن ترى أثر أيدى أطفاله الثلاثة الذين قضوا فى الحادث على كل صفحة، تستطيع أن تشم رائحتهم، وأن تسمع صوتهم يرتلون آيات الله بانفعال طفولى حبيب، تستطيع أن تشعر بأثر لمساتهم البريئة الناعمة وهى تداعب وجهك تستطيع أن تراهم من بين الصفحات وقد صعدوا خفافا إلى بارئهم، يزينون السماء بأحلامهم، ويرطبون الجنة بأرواحهم الندية، وهم فيها مخلدون، تستطيع أن ترى مدية الطغيان وقد شقت بطن الحياة لتخرجهم إلى الموت مجبرين.

لا أعرف على وجه التحديد كم بيتا دخلنا وكم عزاء قدمنا، فقد بدت البيوت على اختلافها واحدا، وبدت الملامح واحدا، وبدى الأسخاص واحدا، شوارع ضيقة وأخرى واسعة، بيوت كبيرة وأخرى دافئة، كانت المسافة أحيانا بين السرادق والآخر كليو مترات، وفى أحيان أخرى «بضعة أمتار» كانت هذه هى زيارتى الأولى لمحافظة أسيوط، لكنى تخيلت أن هذه المآتم قديمة قدم الدهر، وأنها قائمة منذ أن خلق الله الخلق ورفع السماء، صارت «المعازى» علامة الشوارع بالنسبة لى، أذهب يمينا حيث أجد عزاء الشهيد فلان، ثم أنحرف يسارا لأجد عزاء الشهيد فلان، وفى الأمام عزاءان، وفى الطريق عزاء، صوت القرآن فى كل مكان، والحزن يكسو الجميع، وأهالى الملائكة يقابلوننا بود وترحاب كما لو كنا نعرفهم من سنين وعقود، أحدهم قال لنا: أنتم لا تعرفوننى وأنا أقابلكم اليوم للمرة الأولى، فقد جمعنا الحزن لأننا «مصريين» ولا أعرف ما الذى أشعرنى وهو يقول «مصريين» بأننا فى بلد غريبة ولسنا فى بلدنا، وأن الغريب للغريب غريب.

يوم مر كسنة، خرجت من بيتى فى الثامنة صباحا، وعدت إليه فى السابعة من صباح اليوم التالى، فى الذهاب سلكنا الطريق الصحراوى، وكلما كنت أنظر من الشباك لأتبين ملامح الطريق كان يسكننى هاجس بأننا ألقينا بلاد الصعيد من ذاكرتنا وحياتنا، فلا إشارة تخبرك بموضعك، ولا علامة تقول لك كم بقى لك من المسافة، لا أبالغ إذا قلت إنى صافحت مئات الرجال، وفى أياديهم المتباينة كان المعنى حاضرا، بعضهم يحمل يدا «صلبة كالصخر تخدش من يلامسها» وبعضهم أجهض الحزن عزم يديه فتراخت وتماوتت، وجميعهم يحمل ملامح بطل قصيدة «شنق زهران» لشاعرنا الأكبر صلاح عبدالصبور» ذلك المقتول فى حادثة دنشواى «كان زهران غلاما/أمه سمراء، والأب مولّد/ وبعينيه وسامة/ وعلى الصدغ حمامة/ وعلى الزند أبو زيد سلامة» فمضيت أردد بين كل عزاء وعزاء: قريتى من يومها لم تأتدم إلا الدموع/ قريتى من يومها تأوى إلى الركن الصديع/ قريتى من يومها تخشى الحياة/ كان زهران صديقا للحياة/ مات زهران وعيناه حياة/ فلماذا قريتى تخشى الحياة؟
فلماذا قريتى تخشى الحياة؟