اغلق القائمة

الأربعاء 2018-11-142017

القاهره 06:11 م

سلفيون أم صليبيون؟

الخميس، 15 نوفمبر 2012 01:57 م

كان مدهشا حقا أن أسمع المتحدث باسم الجبهة السلفية «خالد سعيد» وهو يقول فى برنامج «العاشرة مساء» بقناة دريم «نعد الناس بجبال من الذهب والعسل إذا طبقنا شريعة الله الإسلامية» وسبب الدهشة هو أن تلك الجملة «بالنص» هى التى قالها البابا أوربانيوس الثانى معلنا بداية الحرب الصليبية، حيث وعد المحاربين الصليبيين بالنعيم فى الشرق «الذى يفيض لبنا وعسلا» إذا ما هبوا من أجل المسيح، معطيا صك الغفران لكل من سيشارك فى هذه الحرب التى راح ضحيتها مئات الآلاف من البشر، وقال فى ما يعتبر تماثلا تاما مع خطاب السلفيين المصريين فى القرن الحادى والعشرين «ألا هبوا وقدموا قواكم وسواعدكم ثمنا لإيمانكم. إنكم إن انتصرتم على عدوكم كانت لكم ممالك الشرق ميراثا، وإن أنتم خذلتم فستموتون حيث مات اليسوع، فيحلكم محل أوليائه. واذكروا جيدا ما قاله لكم المسيح: ليس منى من يحب أباه وأمه أكثر من محبته إياى، أما الذى يترك بيته ووطنه وأمه وأباه وزوجه وأولاده وممتلكاته ومقتنياته حبا فى، ومن أجلى، فسيخلد فى النعيم، وسيجزيه الله الجزاء الأوفى». أقدر دهشتك من مدى التطابق بين خطاب ذلك الرجل الذى كانت كلماته شرارة البدء لحرب عالمية كبرى استمرت مئات السنين مع خطاب أولئك الذين يدعون أنهم المتحدثون الرسميون باسم الله فى مصر والعالم الإسلامى، لكن السؤال الأهم الآن هو: لماذا يستعين شيوخ السلفية دائما بخطاب عدائى «صليبى» برغم أنهم لا يحاربون «كفارا» ولا أعداء وإنما خصوما سياسيين مصريين مسلمين يؤمنون بالله وملائكته وكتبه ورسله والقدر خيره وشره، فهل وصلت العداوة والبغضاء إلى هذا الحد، أم أن مشايخ السلفيين لا يعرفون أن خصومهم مسلمون مصريون؟

الأكثر إدهاشا ليست تلك الجملة العارضة التى تسربت إلى وعى المتحدث باسم الجبهة السلفية وطفحت على لسانه وكأنها من نسيجه الثقافى –برغم أن هؤلاء السلفيين أكثر الناس تشدقا بأن ثقافتهم وهويتهم إسلامية– لكن هو مدى تطابق بقية خطبة بابا روما مع خطاب السلفيين فى كل مكان وزمان، ولا يعرف الواحد لماذا يستعين السلفيون المسلمون بهذا الخطاب «الصليبى» دائما، فلم تنزلق هذه الجملة المفتاحية على لسان «سعيد» عفوا، لكن فيما يبدو أن هناك فصيلا من السلفيين تشبعوا بالثقافات الغريبة عن مجتمعنا، وأبرز الأمثلة على هذا القول ما دار فى حلقة «أجرأ الكلام» التى يقدمها الإعلامى «طونى خليفة» والتى استضاف فيها كلا من الدكتور إسلام بحيرى والداعية «أبويحيى» متناولا مسألة سن الزواج فى الشريعة الإسلامية، فقد فاجأنى أنه بعد أن ناظر «بحيرى» «أبويحيى» وأوقعه فى تناقض كبير أظهر مدى هشاشة الخطاب السلفى، لجوء أبويحيى إلى التوراة والإنجيل ليؤكد له من خلال الديانات الأخرى صحة مذهبه الداعى إلى تزويج الفتيات فى سنة 12 سنة، زاعما أنه حتى فى الديانات الأخرى سن الزواج محدد بهذا العمر، فهل يريد أبويحيى وأمثاله تطبيق الشريعة الإسلامية حقا أم أنهم يريدون تطبيق الشريعة اليهودية الصليبية؟

آخر الأمثلة وأعجبها والتى تؤكد أن خطاب السلفيين مماثل لخطاب الصليبيين ومعتبرهم ملهما هو لجوء السلفيين دائما إلى الاستعانة بما يطلقون عليه «دراسات أجنبية» وخير مثال على هذا ما يفعله «كبيرهم هذا» الشيخ حازم صلاح أبوإسماعيل، فقد نادى فى إحدى خطبه المتعلقة أيضا بموضوع سن الزواج الذى يطالب بأن يكون 12 عاما بأن نرى ما يحدث فى أوروبا التى تتكاثر فيها حالات الحمل غير الشرعى فى سن 12 سنة وقال إن الإحصائيات تقول إن حالات الحمل هذه «كبيرة جدا جدا جدا» ولا يعرف الواحد لماذا يستند أبوإسماعيل وأشباهه على تلك الإحصائيات -إن كانت صحيحة- ولا يستند إلى الآراء العلمية الطبية التى تقول إن زواج البنت تحت 18 سنة يعرضها هى وجنينها إلى الموت بمعدل حالة واحدة لكل سبعين حالة فى حين أن المعدل العالمى هو حالة واحدة كل خمسة آلاف حالة، ولا يعرف الواحد أيضا ما هى الدولة التى تستخدم فى إحصائياتها وحدة القياس المسماة «كبيرة جدا جدا جدا» بدلا من الأرقام.

حاول أن تستمع إلى بعض خطابات هؤلاء السلفيين مقارنا إياها بمثيلاتها فى نظائرهم فى الديانتين المسيحية أو اليهودية لتتأكد من أن ما يروجه هؤلاء ليس إسلاما وإنما «بدائية» تنبع من نفس المعين، وتظهر تجلياتها على ألسنتهم وخطاباتهم التى تنتمى إلى عصور سحيقة سادها العنف وتسوّدها «تجار الدين» فما يفعله هؤلاء وأولئك ليس إلا حفظ الخطابات الميتة المحنطة وإلقاءها فى وجوهنا لنفاجأ بها جثثا فى طريقنا إلى الحياة.