اغلق القائمة

الخميس 2018-11-152017

القاهره 11:14 ص

ليس همجيًا فحسب

الإثنين، 29 أكتوبر 2012 10:15 ص

نافق تكسب، دغدغ المشاعر توضع على الرأس، اكذب تحصل على البركة، أما لو تجرأت وقلت الحق، فالاتهامات الجاهزة ستحاصرك من كل صوب وحدب، والخيارات المتاحة محدودة، وهى إما أن تدفن رأسك فى الرمال متقمصا دور الشيطان الأخرس، أو تقول ما تعتقد أنه حق فتنال من الهجوم والاستهجان ما تناله، وبحسب قوة شخصيتك ورسوخ مرجعياتك يتحدد موقفك.

من وجهة نظر الكثيرين فقد أذنب الدكتور محمد البرادعى حينما قال فى تدوينة على تويتر معلقا على تفشى ظاهرة التحرش فى المجتمع المصرى إن «التحرش الجنسى ظاهرة لا توجد إلا فى مجتمع همجى مختل القيم، والدين عقيدة ومعاملة وليس فقط طقوس وشعارات ويجب أن ترقى العقوبة إلى مستوى الجريمة»، ولم يكتف هؤلاء الناس بإدانته وتصوريه فى هيئة المذنب الآثم فتطاولوا عليه متهمينه بأنه يحقر المجتمع المصرى ويصفه بالهمجية، ساعين إلى إضعاف شعبيته وتكسير عظام حزبه «الدستور» الذى حقق نجاحات سياسية وشعبية مؤخرا، فتصوروا أنهم بإلقاء الاتهامات على البرادعى بعد هذه التدوينة سينالون من شعبية حزبه التى أزعجتهم، وما فطنوا إلى أنهم بدفاعهم عن التحرش وهمجيته وعن تفشى هذه الظاهرة فى مجتمعنا ينالون من أنفسهم.

من وجهة نظرى، فإن المجتمع الذى لا تهتز له شعره بعد تكرار ظاهرة التحرش فى الأعياد والمناسبات الاجتماعية مجتمع مريض، فالتحرش الذى نراه بأعيننا كل يوم ويتصدر مانشيتات الصحف فى الأعياد والمناسبات ليس تصرفا همجيا فحسب، ولكنه تصرف حيوانى بغيض، يعود بالإنسان إلى فترة ما قبل التحضر، وربما يكون من الظلم أن أدعى أن هذه التصرفات «حيوانية» فحتى الحيوانات الشرسة لا تؤذى إلا من يؤذيها، ولا تهاجم أحدا إلا إذا خافت منه وشعرت بتهديده لحياتها، أما أن يهجم شخص أو مجموعة أشخاص على فتاة آمنة لمجرد أنها فتاة، فهذا ما لا يتقبله إلا مريض ولا يدافع عنه إلا تافه، ومن يتجاهل هذه الظاهرة فى مجتمعنا ليس إلا أعمى أو مغرض، فأولى خطوات الإصلاح والعلاج هى الاعتراف بالمرض، ودراسة الأعراض، وتحديد الأسباب، لتبدأ مراحل العلاج بإزالة الأسباب وتخفيف آلام الأعراض، ليختفى المرض.

وليس أقسى من ظاهرة التحرش القميئة إلا من لا يريد الاعتراف بها، أو من يبرر وجودها بنظرياته العفنة التى لا تلوم الجانى ولا تدينه وإنما تؤنب الضحية وتجلدها، فوجدنا أن من هاجوا وماجوا ضد البرادعى هم من يدعون أن مسؤولية التحرش لا تقع على المتحرشين وإنما تقع على الفتيات، مدعين أن أسباب التحرش هى سفور البنات وتهتكهن، متجاهلين أن ما يقرب من تسعين بالمائة من بنات مصر محجبات، وأن أقرب الإحصائيات التى رصدت هذه الظاهرة قالت إن أكثر من %65 من بنات مصر وسيداتها يتعرضن للتحرش، وتزيد هذه المسبة بالطبع فى المرحلة السنية الواقعة ما بين 15 :45 سنة، بل الأنكى من ذلك هو ادعاء أحد شيوخ الفضائيات التى تدعى أنها إسلامية أن التحرش هو مسؤولية الفتاة حتى لو كانت منتقبة، مؤكدا أن خروج المرأة للشارع هو السبب، ما يعنى أن المراد هو ألا تخرج المرأة من بيتها، والغريب أنه لو قلت لأحد مدعى «الإسلامية» هل تريدون أن تمنعوا المرأة عن العمل أو الخروج من البيت، فسيقول لك: لا طبعا، فى تفش نادر لحالة الكذب المباح.
حتى الآن لم ندرس هذه الظاهرة حق دراستها ولم ينتفض المجتمع من أجل الحفاظ على شرفه، ولا تحزن الجريمة بقدر ما يحزنك أن ترى مدعى التدين يبررونها، مهاجمين من يهاجمها ويطالب بتغليظ عقوبتها، ولا أجد ختاما أفضل من كلمة الدكتور محمد البرادعى التى قال فيها «الدين عقيدة ومعاملة وليس فقط طقوس وشعارات ويجب أن ترقى العقوبة إلى مستوى الجريمة».