اغلق القائمة

الثلاثاء 2018-09-252017

القاهره 06:57 م

مش «حلو الكلام»

الثلاثاء، 10 يناير 2012 09:55 م

السؤال الوحيد الذى ظل يراودنى وأنا أتابع العرض المسرحى «حلو الكلام»، الذى قدمه مركز الإبداع بقيادة الماهر الموهوب خالد جلال، هو: لماذا يظل هذا الجمال حبيسا بين جدران الأوبرا؟ فالعرض الذى تزيد مدته على الساعة والنصف، اعتمد على تضفير القصائد الشعرية، واصطناع قالب درامى هامشى، يمرر المخرج من خلاله بعض ما يمكن تسميته بـ«مشهيات العرض»، مستغلا موهبة طلبة مركز الإبداع الواعدة، وروحهم المرحة المتوثبة، وصدقهم الأدائى الراقى، فى إلقاء الأشعار التى تتغنى بحب الوطن وبطولاته وانتكاساته.
ظل الجمهور يتابع العرض بلا تأفف أو ملل، وهذه أطول مدة رأيت فيها الناس تستمع إلى الشعر، منغمسين فى حالته الرائقة حتى النهاية، ورغم ما يثيره العرض من شجون، ورغم استفزازه للعديد من المشاعر المتناقضة، لكن الأسى المتبقى فى الروح بعد الخروج من العرض، لم يقف عن هذه الدفقات الشعرية المتسللة ما بين التغنى بالوطن، واسترجاع أيام الثورة الأولى، كان هذا العرض بالنسبة لى طاقة مهدرة، فكل هذا الجمال محرم على مستحقيه الأصليين، من الذين لا يقدرون على شراء الدواوين الشعرية، ولا يمتلكون جرأة الذهاب إلى المكتبات.
بجهد ذاتى، أقمت فى داخلى عرضا آخر، مستعرضا كلمات محمود درويش: قصائدنا بلا لون، بلا طعم بلا صوت، إذا لم تحمل المصباح من بيت إلى بيت، وإن لم يفهم البسطاء معانيها، فالأولى أن نذريها، ونخلد نحن للصمت، بينما يقول أحمد عبدالمعطى حجازى: كلماتنا مصلوبة فوق الورق، لمّا تزل طينا ضريرا، ليس فى جنبيه روح، وأنا أريد لها الحياة، وأنا أريد لها الحياة على الشفاه، تمضى بها إلى شفة، فتولد من جديد ! يا أيّها الإنسان فى الريف البعيد، يا من يصمّ السمع عن كلماتنا، أدعوك أن تمشى على كلماتنا بالعين، لو صادفتنا، كيلا تموت على الورق، أسقط عليها قطرتين من العرق، كيلا تموت، فالصوت إن لم يلق أذنا، ضاع فى الصمت الأفق، ومشى على آثاره صوت الغراب! وبين درويش وحجازى يصدح الأبنودى: إذا مش نازلين للناس ف بلاش، والزم بيتك..بيتك.. بيتك.. وابلع صوتك.. وافتكر اليوم ده.. لإنه تاريخ موتى وموتك.
أجزم بأن أطفالنا فى المدارس، إن شاهدوا عرضا كهذا سيحبون الشعر ويغرمون به، وأجزم بأننا إن عرضناه فى قصور الثقافة المهملة، سيشاهده آلاف البشر الحقيقيين المحرومين من متعة الشعور بالفن، لكننا للأسف مازلنا نعتمد على استراتيجية الباترينة الثقافية، التى تهتم بتكثيف العروض والمناقشات والندوات والمهرجانات فى الأماكن الثقافية المغلقة بالعاصمة، غير عابئين بأن من حق دافعى الضرائب فى طول البلاد وعرضها، أن يستفيدوا بما ينفقونه من جيوبهم.