اغلق القائمة

الأربعاء 2018-09-262017

القاهره 12:53 م

الحد الأقصى للأجور

الأربعاء، 07 سبتمبر 2011 03:58 م

تأخر كثيرا اقتراح الحكومة بتحديد حد أقصى للأجور، يضع نهاية للتفاوت الرهيب بين الموظفين فى الدرجات الدنيا، والكبار الذين يتقاضون أرقاما فلكية دون سقف، بدعوى الخبرات الاستثنائية التى لا يمكن الاستغناء عنها.

اقتراح الحكومة يقوم على أن يكون الحد الأقصى للأجور بواقع 36 مثل الحد الأدنى، على أن يزيد بواقع 10 % سنويا طوال العمر الوظيفى، على أن يبدأ التنفيذ منذ أول يناير 2012، وتكليف الجهاز المركزى للتنظيم والإدارة بوضع الضوابط والقواعد اللازمة، ارتكازا على مبدأين أساسيين هما، الشفافية والإفصاح عما يحصل عليه العاملون بالحكومة من دخول.

والله كلام جميل يدفعنا للاستفسار عن مجموعة من الأمور، وفى مقدمتها حكاية «الأخذ فى الاعتبار متوسطات معدلات التضخم»، وهى الفقرة الواردة نصا فى المقترح الحكومى، فهل يعنى ذلك أن معدلات التضخم وما يرتبط بها من ارتفاعات فى الأسعار، هى أمور يشعر بها أصحاب الدخول الكبيرة، والمتنعمون بالحد الأقصى الحكومى، بحكم سفرياتهم للشوبنج فى الخارج مثلا، بينما الصغار «المدعوكين» بين طيات الحد الأدنى يقضون أعمارهم بين الأسواق الشعبية من العتبة إلى «سوق التلات»، ولا يستحقون مثل هذا العطف الرسمى؟
وهل يعنى هذا المقترح الحكومى أن الباب العالى للمستشارين المخصوصين قد جرى إقامة الحد عليه، بحيث يصبح مثل الأبواب الأخرى للدخول التى خلقها ربنا؟.. يعنى الأستاذ المستشار لا يحصل على أكثر من 36 ضعفا عن صاحب الحد الأدنى، أو نقول 46 ضعفا، مع الأخذ فى الاعتبار «حنية» الحكومة، وإشفاقها على الكبار من التضخم والأسعار، وعطفها الزائد على فروق الخبرات النادرة التى لا تقدر بمال، أو بدلات، أو عقود من التى نسمع عنها ونراها.

إذا سار هذا المقترح الهمام بهذا الشكل، وتم تطبيقه على جميع الكبار دون تمييز، منتظمين كانوا أو متعاقدين، فنحن بذلك نخطو أولى خطواتنا لإصلاح الخلل الرهيب فى معدلات الأجور داخل القطاع الحكومى، وياحبذا لو تحقق ما تم الإعلان عنه من تشكيل لجنة تعمل على وضع هيكل جديد للعاملين بالدولة خلال الأشهر الستة المقبلة، بحيث تحقق مبادئ العدالة الاجتماعية.

أيضا إذا كانت الشفافية أساسا لمقترح الحكومة فى تعديل الحد الأقصى للأجور، وربطها بالحد الأدنى، فلابد من الإعلان الدائم على أى استثناءات، والمبررات الداعية إليها، وكم الزيادات المترتبة عليها، وهل يمكن القبول بها أم لا، بحيث لا يتحول باب الاستثناء إلى الأساس الذى يبنى عليه، ويصبح المقترح بعد إقراره مجرد بند من مفردات المرتب للكبار.

النقطة الأخرى التى أود طرحها فى هذا السياق، تتعلق بنسبة موظفى الحكومة قياسا إلى جميع القطاعات العاملة فى الدولة، بعد أن تراجع نظام التعيين فى الحكومة، وغلبة مؤسسات القطاع الخاص، والعمالة الموسمية، والعمالة غير المنظمة، والعمالة السوداء على سوق العمل، وهى كلها قطاعات تستوعب الأغلبية الساحقة من المصريين العاملين، وتحتاج إلى أن تنظر الحكومة فى التعامل معها وفق آليات مناسبة، وليس بالضرورة متشابهة.

فإذا كانت الحكومة قد دخلت فى مفاوضات شاقة مع مؤسسات القطاع الخاص لوضع حد أدنى للأجور، فهى بحاجة إلى دفعة قوية لتعيد تنظيم الغطاء التأمينى لجميع العاملين بالدولة، والنظر فى نسبة الاستقطاعات الضريبية منهم، كما أنها مطالبة باحتواء العمالة الموسمية والعمالة المؤقتة بواسطة سياسات تفتح أسواقا جديدة، مع تشجيعهم على الدخول تحت مظلة التأمينات، الأمر نفسه ينطبق على أصحاب المشروعات المجهولة البعيدة عن سجلات الدولة وشرائحها الضريبية، علينا أن نبحث عن آليات للتسهيل على أصحاب هذه المشروعات والأعمال، ومنحهم التسهيلات والميزات التى تدفعهم إلى تأسيس مشروعاتهم فى النور، والإنتاج وفق مستويات معروفة للجودة. بمعنى آخر، نحتاج إلى حزمة سياسات لإعادة هيكلة مستوى معيشة العاملين فى مصر، وليس العاملين بالحكومة، وهيكلة مستوى المعيشة يتضمن هيكلة معدل الأجر، وتنظيم سوق العمل معا، وهى مهمة ثقيلة، لكنها المعبر الوحيد نحو مجتمع جديد نرجو له أن يولد الآن.