اغلق القائمة

الإثنين 2018-09-242017

القاهره 01:45 ص

استحراصاً.. غور فى داهية

الخميس، 17 مارس 2011 07:45 م

إن لم نسقط نظرية "استحراصاً" التى تهيمن على صناع القرار فى مصر قبل وبعد مبارك، فكأنك يا أبو زيد ما غزيت، ولا كأن ثورة يناير قامت ولا حتى قعدت، هذه النظرية التى تعتبر الشك دليلاً دامغاً على الإدانة وتجعل من الهواجس يقيناً غير قابل للمناقشة والتحليل والاستنتاج، وتحلل لنفسها ما حرمه القانون واتفق عليه العرف، انتشرت هذه النظرية وترسخت للدرجة التى جعلتنا نعتبرها أساساً من أسس الحياة، لأنها تنمى فى داخلنا الإحساس الزائف بالأمان، والنتيجة أننا نقتل آلاف المشاريع المهمة ونحبط ملايين الشباب والأفكار من باب "استحراصاً".

انتشرت هذه النظرية وتوغلت فى داخل الأنفس، وبمجرد أن يقول لك أحد "استحراصاً افعل هذا ولا تفعل هذا" تستجيب إليه، وللأسف أخذت هذه النظرية شرعية كبيرة فى العهد البائد، ومن الجائز أن تعتبر كل ممارسات أمن الدولة المستبدة تتبع هذه النظرية، فاستحراصاً كانوا يتجسسون علينا، واستحراصاً كانوا يعتقلوننا، واستحراصاً كانوا يرصدون تحركاتنا ويستبيحون حرماتنا، واستحراصاً كانوا يقتلوننا بأجفان باردة، واستحراصاً يتمسكون بقانون الطوارئ تمسك الطفل بأمه، كل هذه الممارسات القميئة جعلتنا نعيش فى سجن كبير، نعمل ألف حساب للأشياء المقلقة والأشياء التافهة على حد سواء، بينما تضيع الأمور الخطرة ولا تأخذ حقها فى المتابعة، لأننا نرهق أنفسنا فى "استحراصاً".

تجلت ثقافة "استحراصاً" فى أسوأ حالاتها فى التعديلات الدستورية الأخيرة، والتى أدعو الله من كل قلبى ألا يوافق عليها المصريون، فاستحراصاً منعنا واحداً مثل العالم الكبير الدكتور أحمد زويل من الترشح لرئاسة الجمهورية، بحجة أنه مزدوج الجنسية ومتزوج من سيدة سورية، فواضعوا هذه المادة التى حرمت آلاف المصريين من حقهم الأصيل فى الترشح، لم يدر ببالهم أننا إلى الآن مازلنا نضع الدكتور زويل وساماً على صدورنا حتى الآن ونعتبره أحد الذين رفعوا اسم مصر عالياً، واعتبرناه مواطناً مصرياً بامتياز عندما منحناه قلادة النيل، وهى أعلى الأوسمة المصرية، فكيف بعد كل هذا الاحتفاء والتقدير نقول له "معلش" استحراصاً منعناك، لأنك مشكوك فى ولائك، ولأنك متزوج من سيدة غير مصرية، و"معلش" فنحن نازيون عنصريون نبحث عن نقاء الجنسية فى زمن أصبح فيه موضوع نقاء الجنسية هذا مثل العنقاء والخل الوفى، نأسف يا سبعة ملايين مصرى ليس لكم الحق فى أن تدلوا بأصواتكم فى اختيار رئيسكم، وأن تقولوا رأيكم فى التعديلات غير الدستورية على الدستور، مع أنكم تساهمون بتحويلاتكم بثلث دخلنا الوطنى، فاستحراصاً حكمنا عليكم بأنكم غير مؤهلين لهذا الأمر، لأنه من الممكن يتم التأثير عليكم، والتغرير بكم، وأنتم فى بلاد بره، واستحراصاً غوروا فى داهية ولا تصدعونا.

لست حزيناً، لأن مجموعة الفقهاء الذين اجتمعوا وتناقشوا وتداولوا وتباحثوا واقترحوا وكتبوا، خرجوا علينا بعد اجتماعاتهم التى تشبه اجتماعات آلهة الأولمب ليقولوا لنا هذه هى التعديلات وعليكم أن توافقوا عليها، لأنهم فى مجموعهم يمثلون نظرية "استحراصاً" أصدق تمثيل، وليس غريباً عليهم أن يفكروا بهذه الطريقة التى تجاوزها الزمن، لأنهم على أى حال من مرحلة ما قبل الثورة وطبيعى أن تعكس اختياراتهم وتعديلاتهم ثقافاتهم التى تشربوها، وقريباً جداً سيتم تكسير هذه النظرية، لأننا لن نسمح بأن يتم تخوين ملايين المصريين ومنعهم من حقوقهم فى بلدهم الذى تحرر من كل الأصنام القديمة.

مؤيدو نظرية "استحراصاً" يروجونها لأنهم من أنصار المثل القائل "الباب اللى يجيلك منه الريح سده واستريح"، وبالتوافق مع هذا المثل سدوا علينا كل الأبواب، وأغلقوا علينا كل المنافذ، ومن المستحيل أن نستسلم لمثل هذه الثقافة الخانعة الآن بعد كل هذه التغييرات العاصفة، وغير مقبول الآن أن نجعل من شكنا فى أحد يقيناً، كما كان يفعل الجهلاء منا، فقد ولى زمان الرمى بالباطل، واستخدام مفردات مثل "أجندات أجنبية، وأصوات مأجورة، وقلة مندسة" وغيرها من المصطلحات الزائفة التى ثبت فسادها وكذبها، ومن غير المسموح به الآن أيضاً أن نعمم الأحكام ونظلم بها ملايين المصريين فى الخارج من التصويت فى التعديلات الدستورية التى شبهتها فى مقال سابق بـ"البصلة" التى لن نرضى بها لتكون فطورنا بعد صيام طويل، ووغير مسموح أن نحرم المصريين مزدوجى الجنسية والمتزوجين من غير المصريات من الإدلاء بأصواتهم والترشح للانتخابات، لأننا بهذا التشريع الباطل نحرمهم من حقوقهم كمواطنين مصريين، وإن كان هناك أحد مشكوك فى ولائه أو انتمائه فلنقدمه للمحاكمة العلنية ونسحب منه الجنسية المصرية أو نحرمه من حق التصويت إن كان مذنباً وخائناً، لكن لا يجوز أن نحكم بالإعدام على كل المصريين فى الخارج والتهمة "استحراصاً".