اغلق القائمة

الخميس 2018-09-202017

القاهره 06:27 م

جنب السواق

الجمعة، 23 ديسمبر 2011 07:52 ص

للشعب المصرى سلوكيات معروفة وطقوس متواترة فى ركوب المواصلات العامة، ومن أبرز هذه السلوكيات، سعى بعض الركاب الدائم للجلوس بجوار السائق، ولما عرف السائقون هذه الخصلة الفريدة زادوا فى دلالهم على الركاب من ناحية، وتدليل لمن يجلس بجانبهم من ناحية أخرى، وكنا قديما نرى سائق الأوتوبيس يتفنن فى جعل كابينه القيادة «عالم تانى خالص» إشى صور، وإشى زينة، وكان بعضهم يضع ما يشبه فلاتر الزيت الكبيرة بجانبه مستخدماً إياها كرسياً يجلس عليه من يختاره السائق، ليستمتع بالجو الجميل والأغانى المنتقاة بعناية، لزوم الإغراء.

فى الميكروباص لا يختلف الأمر كثيرا، وسائقو الميكروباص أكثر حنكة وخبرة واحتكاكا بالحياة من سائقى النقل العام، ولذلك فهم كثيراً ما يحجزون الكرسى الذى بجانبهم لمن على هواهم، وما أن يجى الهوا سوا، ويجلس الزبون (ة) سعيد (ة) الحظ إلى جوار القائد الهمام حتى تنشأ حالة تواصل نادرة بين السائق ومن يجلس إلى جواره، وبلا مقدمات يصبح الاثنان أصدقاء ومعارف ولا مانع من أن يتطور الأمر ويصبحوا أحباباً، حتى إذا ما قامت خناقة بين السائق والركاب، سارع الذى أو التى بجواره إلى مساندته والوقوف بجانبه فى المحنة، ولو ضايق قائد المركبة قائد آخر فى الطريق وجدت من بجانبه يشتمه قبله، وتظهر عمق هذه العلاقة أثناء دفع الأجرة، إذ يتميز الذى هو جنب السواق بأنه حينما يعطيه الأجرة فإنه هو الوحيد الذى يقول له السائق بحنيه «خلى».

لو هذا الذى يتصارع، أو هذه التى تفعل الحيل، من أجل الجلوس جنب السواق رأته أو رآه فى الشارع أو على المقهى لما نال ممن يتهافتون على الجلوس بجانبه أى اهتمام، وهذا ما يعرفه السائق جيدا، فهو يعرف أن نفوذه لا يتعدى السيارة التى يركبها وهو جالس فى كابينه قيادتها، لذلك يحرص السائق دوماً على عدم مغادرة مكانه الأصلى، وحتى حينما يركب مع سائق آخر تراه «هيموت» ويقعد مكانه.

جنب السواق أنت معرض للخطر دوما، إذ إن احتمالات إصابتك تكون أكثر لو -لا قدر الله- تعرضت السيارة للاصطدام، لكنه الخطر اللذيذ، بأن تشارك السائق معاناته، خطر يمنحك شعورا بالتميز عن بقية خلق الله ممن يجلسون خلف السواق، كما يمنحك شعورا بالمشاركة فى القيادة دون تحمل مسؤولياتها وواجباتها، ولأن السواق يعرف هذه المزايا يحرص هو الآخر على اختيار أتباعه ومرافقيه على مزاجه، والسائق ومن يجلس بجانبه معذوران فى هذا التفكير فى ظل أزمة المواصلات المزمنة وندرة البدائل، لكن ليس للركاب عذر لو ظلوا حريصين على الركوب «جنب السواق» مع توافر إمكانية أن يشتروا سيارة «ملاكى».