اغلق القائمة

الثلاثاء 2018-09-252017

القاهره 09:16 م

محمد محسن.. عندليب التحرير

الجمعة، 14 أكتوبر 2011 04:13 م

إن رأيته فستحسبه جارك أو أخاك أو أحد أقربائك، لكن ما أن يصدح بصوته القوى الرخيم الحانى حتى يكبر فى عينك، وتكتشف أنك أمام فنان مقتدر، يحمل تراثه فى رأسه، ويحمله تراثه على كتفيه، تفيض روحه بموهبة ناصعة يألفها كل ذى عين وقلب، ويدل حسه العالى على إيمانه بما يفعل على أن روح الفن فينا وفى شعبنا إلى يوم الدين، وتدل اختياراته وتوجهاته على أنه صاحب رؤية وطنية صادقة، صدق النيل إذا وعد.

هو محمد محسن، الذى اكتشفه ميدان التحرير فأصبح عندليبه الحقيقى، وإن لم يكن للتحرير فضيلة غير اكتشاف هذه الإبداعات الفياضة لكفاه شرفا ومجدا وإنجازا، فقد راهن الميدان على اليفاعة والشباب فجزاه المصريون بأضعاف ما راهن عليه، كان الميدان زاخرا بأصوات عامرة بالأصالة والمحبة، تجمعوا فى مكان واحد فانبهر العالم بالجمال والحرية والتحضر، وتفرقوا على أمل بعناق وطن راق فى القريب، ثم انطلقوا يضيئون مصر بفنهم المتسامى عن التفاهات المعلبة التى تعلق ببلدنا منذ أيام المخلوع. ومحسن من هؤلاء الذين كانوا يدفئوننا فى ليالى يناير الباردة بأنفاس الفن المصرى، ويضيئون أرواحنا بونس الغناء والموسيقى، ولأن الميدان أخرج أجمل ما فينا، أصبح محسن مطربنا المفضل.

تخرج حروف الأغانى التى يؤديها محسن راسخة متماسكة، لتعطيك انطباعا بأنه على يقين من موهبته، وأنه يعنى ما يقول ويدرك أبعاده. جسارة صوت محسن تجلب الدهشة إلى ملامحك، وتُدخل السكينة فى قلبك، والراحة إلى روحك الظامئة إلى التوحد بالمعنى الرفيع. استضافه الإعلامى الشهير يسرى فودة فى إحدى حلقات برنامجه «آخر كلام»، وبينما أتابعه بإعجاب معهود، هاتفتنى المطربة الكبيرة نجاح سلام قائلة: «بسرعة روح أفتح التليفزيون فيه شاب جميل اسمه محمد محسن بيغنى، لازم تسمعه»، وحينما أخبرتها بأننى بالفعل أمام الشاشة، قالت لى إن هذا الصوت خليق بأن يكون صوت مصر الغنائى، وموهبته وإحساسه وإمكانياته تؤهله لذلك، ثم استطردت: «هذا الشاب يغنى أفضل من عبد الحليم حافظ، ولو كان موجودا فى زمن ناصر، لصار صوت الثورة».

مغرم محسن بسيد درويش، وهو بهذا الغرام المستبد يثبت لنفسه ولجمهوره أنه ينتمى لجزء عزيز من تاريخ مصر الفنى الراقى، ومنذ أيام شاهدت له مسرحية تحت عنوان «حكايات ثورة 19» كان صوته فيها وهو يصدح بأغانى الشيخ سيد مشتبكا مع الأحداث التاريخية، أشبه بالإطار الذهبى الذى يحيط باللوحات التاريخية الغالية، لوهلة تتخيل أن «درويش» لحن هذه الكلمات خصيصا لمحسن، أو أن «درويش» مازال حيا بيننا بكلماته وألحانه ورؤيته الخالدة.

لأنه مصرى أصيل، لا يكل ولا يمل من البحث فى تراثنا العامر، فيكتشف بصوته روعة لحن مهجور لسيد مكاوى، باهرا من يسمعه بتمكنه من أداء اللحن، وتقمصه لروح الكلمات ومعانيها، يتجول فى أحياء القاهرة وأزقتها فتحسبه مصريا أزليا لا تغير ملامحه القرون، ولا تعبث بوجدانه النوائب، يؤكد على هويته بأن يسجل بصوته أذان الفجر، ويترنم بـ«بلادى بلادى».