اغلق القائمة

الثلاثاء 2018-11-202017

القاهره 10:40 م

طابور الخبز القاتل

الأحد، 17 أكتوبر 2010 12:08 م

وقف عم محمود عبد العال فى طابور الخبز مثل أى مواطن صالح مقهور، ينتظر أن يفوز بعشرين رغيفاً مدعماً يعود بها إلى بيته، عم محمود 77 سنه مضطر أن يخوض معركة رغيف العيش أمام المخابز يومياً، المعركة التى يثبت فيها لنفسه أنه مازال قادراً على الانتصار والعودة إلى بيته بالغنيمة.

جاء عم محمود من قريته إلى مدينة طهطا بسوهاج، مثلما يفعل كل يوم، وهو يتخيل نفسه يخوض معركة خفيفة، يحصل منها على العشرين رغيفاً، ويمضى، نعم توقع بعض المناوشات والزحام والتدافع أمام المخبز " توقع بعض الشجارات التى يندفع إليها الشباب المتهورون الفرحون بشبابهم والذين لم تعركهم الحياة بعد، وتوقع أن يكون الخبز رديئاً كالعادة، لكنه كان يمنى النفس بالتحمل حتى الوصول إلى منفذ البيع ومحاورة البائع صاحب السلطة المهولة حتى يقبل أن يغير له الأرغفة التالفة بأخرى صالحة للأكل.

طوال رحلته من قريته إلى المخبز فى مدينة طهطا، كان عم محمود يرجو الله سبحانه وتعالى أن يمنحه القوة لتجاوز طابور الخبز وأن يمنح البائع المتسلط الصبر وسعة الصدر ليبدل منه الخبز التالف قبل أن يضطر إلى إلقائه للدجاجات.

ما حدث أن المعركة أمام المخبز كانت مجهدة، طالت زيادة عن اللزوم، الزحام كان شديداً، وعم محمود أصر على أن يخرج منتصراً بالعشرين رغيفاً، فهو الذى خبر الشدائد وحمل على كتفه ما يقرب من مائة عمارة طوباً ورملاً وزلطاً وصعد بها إلى الأدوار العالية، كيف لا يستطيع الصمود فى طابور يعبره الصبية والأطفال.

قاوم عم محمود الإنهاك والتعب طويلاً، وتحامل على نفسه حتى يحقق هدفه الذى جاء من قريته لتحقيقه، فكيف يعود إلى قريته وبيته من دون "الخبز البلدى"؟ لم يعد لديه "فرن يخبز" وبيته خال من الدقيق.. ولا مفر من التحمل.. تحمل يا عم محمود .. هانت يا عم محمود.. سقط عم محمود وسط الطابور القاتل، فاجأته الأزمة القلبية الغادرة قبل أن يحصل على العشرين رغيفاً مثل كل يوم.

عم محمود لم يقصر، لم تخذله قدماه، هو الذى حمل على كتفه مائة عمارة من الطوب والزلط والرمل وصعد بها إلى الدور العشرين، لكنها الأزمة القلبية القادرة، لم تسمح له أن يفرح بانتصاره اليومى وحرمته من الفوز بالعشرين رغيفاً.. ماذا يقول عم محمود لأهل بيته الآن؟ هل يتحجج بالأزمة القلبية؟ فى كل الأحوال سيضطر أهل البيت إلى شراء الخبز الغالى من السوق...

رحمك الله يا عم محمود