اغلق القائمة

السبت 2018-11-172017

القاهره 12:59 ص

يقطع رقبته ليوقع بالدم استمارة تأييد!

الأحد، 10 أكتوبر 2010 12:06 م

عرفت مصر بعد 1952 مظاهر عديدة للنفاق السياسى ، تحولت بفعل جهود منظمة من النخبة الحاكمة إلى ثقافة عامة وفرضها على جموع الناس، بدءاً بالخروج فى مظاهرات الموظفين والعمال والطلبة للتأييد والهتاف لقاء وجبه ويوم أجازة ،وانتهاء بهتاف "بالروح بالدم نفديك يا زعيم" الذى تحول فى بعض الأحيان إلى شكة دبوس ونقطة دم تزين البصمة على خانة "نعم" فى استمارة الاستفتاء التى عرفها جيداً من عاش بعد 1952.

لكن الجديد الذى لم تعرفة مصر أن يقطع مواطن أصبعه أو ذراعه أو ساقه أو رقبته ليوقع بدمه استمارة التأييد لفلان أو علان، فالمسألة لا تستأهل التضحية بعضو لا يتجدد ولا ينمو من أجل البصم بالدم مرة واحدة، هذا الجديد الذى حدث بالفعل أمس السبت بمركز فوة بمحافظة كفر الشيخ يكشف عن شيئين، أولهما افتقاد بعض المصريين لما يميزهم من حنكة وخبرة فى التعامل مع الحكام واحتوائهم حتى يزولوا، وهى خبرة قديمة جداً، استطاع بفضلها المصريون النجاة بأرضهم وحياتهم ومستقبلهم من الحكام الطارئين والحكام الظالمين والحكام غير المرغوب فيهم والضالين آمين!

الشئ الثانى الذى كشف عنه المواطن الذى قطع إصبعه ليوقع بالدم مرة واحدة، أننا خرجنا عن المزاج المصرى الوسطى فى كل شئ حتى فى ممالأة الحكام وأشباههم من أصحاب السلطة، وأصبحنا على هوى شعوب أخرى أكثر تطرقاً فى حياتها واختياراتها وحتى فى تعبيرها عن الفرح والحزن، فالمواطن الذى قطع إصبعة ذكرنى باحتفالات بعض الجماهير عند الفوز بكأس إفريقيا الأخيرة عندما انطلقوا يحطمون السيارات "الراكنة" فى الشوارع، تعبيراً عن فرصتهم الطاغية.

و"الطاغية" هنا هى "مربط الفرس" كما يقول أولاد البلد، لقد أصبحت هذه "الطاغية" أكبر من مجرد صفة لفرحنا أو حزننا، ولكنها أصبحت ساكنة داخلنا مرادفاً للكبت وعدم التحقق الاجتماعى والسياسى، ومن ثم أصبحت فرحتنا طاغية مدمرة، وحزننا طاغ مدمر لأنفسنا وما حولنا وحتى إعلاننا عن التأييد لا يتم بمنع صوتنا أو الدفاع عن اختيارنا أمام اختيارات الآخرين الحرة، وإنما تحول إلى تأييد طاغ بقطع الأصبع أو حتى قطع الرقاب!.

التعليقات الواردة على خير المواطن قاطع إصبعه فى اليوم السابع أمس بتوقيع الزميل رامى نوار، تؤكد تحول الشخصية المصرية إلى التطرف وفقدان حكمتها المتوارثة، أحد المعلقين كتب يقول "ما فعله المواطن قاطع إصبعه أقل ما يمكن أن يفعله مصرى شريف لشخص فى منزلة الزعيم أين الزعيم، وأخر كتب ، "لن يثنى العملاء عزيمتنا فى المطالبة بترشيح السيد جمال مبارك وثالث قال "هذا هو الوفاء للقادة العظماء .. موتوا بغيظكم أنتم لا تمثلون إلا أنفسكم" ورابع كتب " حتى لو كان هذا الرجل منافق، فو الله نفاقة خير دليل على حبه لوطنه وإخلاصه وإدراكه الواعى"!

هكذا تحول الدم إلى لغة رسمية، من شروطها تخوين الآخرين والقفز على إرادتهم واتهام المخالفين بأنهم لا يمثلون إلا أنفسهم .. يا ريت كل مواطن يدرك حقاً أن عليه ألا يمثل سوى نفسه ولا يملك سوى صوته الفرد وإرادته الحرة وبهما يختار، ثم نحثكم فى النهاية لإرادة الأغلبية!

أحد المعلقين الظرفاء اختار قصيدة للفاجومى بدلاً من التعليق ،
" يا شعبى يا شاطر يا جابر خواطر يا ساكن مقابر وصابر وعال
يا واكل سمومك يا بايع هدومك يا حامل همومك وشايل جبال" إلخ

لكن هل مازال شعبنا صابرا شايل همومه وواكل سمومه دون أن تظهر على جلده وروحه ، ياعم نجم؟