اغلق القائمة

الثلاثاء 2018-09-252017

القاهره 07:08 ص

«مش» هنروح المولد

الخميس، 23 يوليه 2009 10:03 م

«يا ست يا سيدة يا أم المقام الزين.. يا اخت الحسن والحسين وبنت بنت الزين.. سكنت جارك وكان هنايين ونعمة لى.. شوفت الكرم والحنان والدنيا ناعمة لى.. طالب من الله يوفقنى فى أعمالى ويصلح لى حالى عشان حضرة نبينا الزين».

هكذا غنى المغنى متبتلا لأم الحنان، يراها سببا فى كرم الحياة وصفائها، يناديها وكأنها تسمع نداءه، إليها شد الرحال، وعلى أبوابها خر صعقا، بالحب يمشى إليها وبالحب يناديها وبالحب يقف على أعتابها شاخص النظر مرتجف القلب منشرح الأسارير، يحبها الجميع.. أهل المشرق والمغرب، قبلى وبحرى، متعلمون و«على باب الله» «مستورين» وفقراء وأغنياء، الكل هنا فى «واحدة» تجمع القلوب بعقد المحبة الذى لا ينفرط، وتلم غربتهم بشالها العاطر المضياف.

الموالد فى مصر كثيرة، أى «مولد» من هذه الموالد «مولد» لكن مولد «السيدة» سيد الموالد يأتيه الناس أفواجا، ولكل واحد مأرب خاص، ولكل واحد غرض معلن ودفين، وفى قلب كل واحد شوق عميق يعلنه بلا خجل أو خوف، معظم شعوب العالم لها مهرجانات تحتفل فيها بشكل جماعى ممارسة بعض الطقوس الكرنفالية العفوية، ومولد السيدة هو كرنفال المصريين الأصيل، فيه تمتزج مشاعر الحب والإيمان والخشوع والبهجة والترويح والفرح والطرب والانتشاء، آلاف الآلاف يجتمعون حول مائدة «السيدة» لهم فيها ما لذ وطاب، سمتهم واحد وهيئتهم واحدة، وكأنهم متفقون على أن يفعلوا نفس الشىء، وكأنهم على موعد مع الفرح.

فى الظاهر يحتفل الناس فى هذا الميعاد «بمولد السيدة» لكن فى الحقيقة هم يحتفلون بميلادهم هم، فى المولد فرصة للتجدد والترفيه وللخصوبة الروحية والنفسية، فى الطريق إلى السيدة ينسى المرتحلون آلام العام وشقاءه ومتاعبه، هنا لا وجود إلا للروح، تمشى وتصعد وتحلق معانقة عشقها المستحيل، يروح الواحد إلى المولد تاركا وراءه هموم الدنيا ومآسيها ومنغصاتها، ويرجع من عند أم الحنان كمن ولدته أمه.

قبل ثلاثة أعوام كنت أجلس أنا وصديقاى الناقد أحمد حسن والشاعر أحمد بخيت، على مقهى بجوار «السيدة» وكان أوان «المولد» راحا يلعبان الشطرنج، ورحت أسعى بين «النصبات» أفتش عن مصر فى وجوه المارة والعابرين، كان صوت المنشدين والمداحين أحيانا أقرب إلى صوت مرتلى القرآن والتسابيح الإسلامية، وأحيانا أخرى كان أقرب إلى صوت مرنمى المزامير والتراتيل المسيحية، كان صوت المداحين «وطن» يسكنه التراث المصرى بكل عنفوانه ويجد فيه محميته المرجوة، شدنى الصوت: فغبت وانتشيت وسكرت وحلم وترك فى روحى حلاوة لن أنساها ما حييت.

بقرار من «فوق» تم منع الموالد فى مصر، ومر مولد السيدة كاليتيم، وخاب سعى العشاق فى الوصول، ولا أدرى هل اغتربت «السيدة» فى مصر، أم عنها اغترب المصريون؟.