اغلق القائمة

الأربعاء 2018-11-142017

القاهره 01:59 م

أنا الدولة.. لأ لأ أنا الشعب

الأحد، 22 يونيو 2008 12:19 ص

ما معنى أن يقوم بعض المؤتمنين على أوراق امتحانات الثانوية ببيعها؟
وما معنى أن يستغل كبار المسئوليين لمناصبهم ونفوذهم للحصول بطريق غير شرعى على الامتحانات للإتجار بها أو لتسريبها لأبنائهم وأقاربهم؟

أفزعنى شعور أولياء الأمور أنهم أمام مؤامرة من وزارة التربية والتعليم لتعجيز أبنائهم بالامتحانات الصعبة لتقليل عدد الطلاب المقبولين بالجامعات الحكومية لصالح الجامعات الخاصة، وأن الحصول على الامتحانات المسروقة وضمان الغش لأبنائهم هو الحل فى نظرهم لمواجهة مؤامرة وزارة التعليم، وشغلنى ما سيقوله المسئول الكبير الذى اغتصب الامتحان بنفوذه وسلطته، وهو يعطيه لابنه أو لقريبه، حتى يحصل على حفنة درجات استعراضية كاذبة.

هل يقول له "خذ الامتحان أهه عشان تعرف أنت ابن مين فى البلد"؟ وإذا كان هذا ما سيقوله المسئول الغشاش لابنه فماذا يقول ولى الأمر المقهور الغشاش الذى نجح فى شراء الامتحان المغتصب، وهو يمد يده به لابنه أو بنته؟ "خد يا ابنى غش وخلص دراستك بالطول والعرض، وهاجر حتى لو هتموت فى عرض البحر، لأن البلد دى ما يتعاش فيها".

أية قيمة سيحفرها المسئول الغشاش مغتصب الامتحان، أو الأب المقهور الغشاش فى نفوس أبنائه وأقاربه؟ سيقول بعض الناس العمليين إن "كلامى الكبير" عن القيم وعن منظومة الأخلاق لم يعد له وجود على أرض الواقع، وأقول إن كل حركة أو تصرف أو إجراء أو تشريع له جانبان، جانب تنفيذى عملى وجانب رمزى موصول مباشرة بمنظومة القيم والأخلاق المستقرة والحافظة لتماسك المجتمع، وإما أن يكون التصرف أو الحركة أو التشريع أو قرار المسئول أخلاقياً قيمياً، يحفظ تماسك المجتمع، وإما أن يدمر هذه القيم والأخلاق المستقرة ويخلق قيماً مضادة كالفردية غير المسئولة أو العدمية أو القوة كمعيار للحصول على الحقوق، أو الغش، ومن ثم يتفتت المجتمع إلى خلايا أصغر فأصغر، وينقطع الحبل السرى بين الفرد وبلده، وصولاً إلى سعى كل فرد فى المجتمع للعمل لصالحه الفردى دون النظر لأى إطار عام أخلاقى أو قيمى، أو حتى المصلحة العامة.

أقول: لقد كشفت أحداث الثانوية العامة هذا العام، الانتصار المدوى للدولة البوليسية فى مواجهة المجتمع، فالدولة البوليسية باعتبارها كياناً فاقداً للشرعية، يمثل وجودها تحدياً للمجتمع، ومنذ اللحظة الأولى لنشأتها تدخل فى صراع مع مؤسساته وقيمه وأخلاقه، وتخلخل كل ما هو مستقر فيه، عبر فرض أدواتها للسيطرة، بدءاً بالقوانين الاستثنائية مروراً بتغول السلطة التنفيذية على السلطتين القضائية والتشريعية، وانتهاء بتشجيع الفساد وتعميمه، من خلال تصعيد أهل الثقة والمحاسيب والمرضى عنهم أمنياً، الذين بحكم افتقارهم للكفاءة والمهارة، يخربون ما يديرونه عن عمد أو عن جهل، وتدريجياً تتعطل القدرات الخلاقة لأفراد المجتمع وتتضخم أدوات السيطرة ورجال السيطرة وتجاوزاتهم المحمية.

الانتصار الواضح للدولة البوليسية يتجلى فى تدميرها المجتمع بتحويله إلى مجموعة أفراد لا روابط بينهم، ولا قيم تجمعهم، مع غياب مصلحة المجتمع تماماً من منظور الفرد، بحيث يعمل كل فرد لمصلحته الشخصية مستغلاً فى ذلك أية سلطة أو مسئولية تنظيمية إدارية يوكلها إليه المجتمع، محولاً إياها إلى أداة من أدوات كسبه غير المشروع ونفوذه غير المشروع، ويصبح لدينا 75 مليون مجتمع مصرى، كل منهم يعمل لمصلحته الشخصية، ولا تربطه بالآخرين حتى علاقات حسن الجوار، فى رد مباشر على اختزال الوطن فى النظام الإدارى واختزال النظام فى الحاكم، وهذا ما حدث للمصريين خلال نصف القرن الماضى يا دكتور جلال أمين.