خالد صلاح

صور.. "كوبرى أكتوبر.. حدوتة مصرية".. السائقون: الكوبرى سبب ارتفاع نسبة الطلاق بمصر.. ولو رجع الزمن ماكناش اشتغلنا الشغلانة دى.. بائع الجرائد: «الإنترنت قتل مهنتنا» وبعت زمان لمحمود المليجى ودلوقتى محدش بيشترى

الجمعة، 12 يناير 2018 10:03 ص
صور.. "كوبرى أكتوبر.. حدوتة مصرية".. السائقون: الكوبرى سبب ارتفاع نسبة الطلاق بمصر.. ولو رجع الزمن ماكناش اشتغلنا الشغلانة دى.. بائع الجرائد: «الإنترنت قتل مهنتنا» وبعت زمان لمحمود المليجى ودلوقتى محدش بيشترى كوبرى اكتوبر


كتب محمود حسن - سارة درويش وتصوير محمد خيرى
إضافة تعليق

- استمر تشييده 30 عاما وتوقف العمل به 10 أعوام.. والسادات سأل رئيس «المقاولون العرب»: «الكوبرى ده جامد يا عثمان؟».. 

 

- خبير دولى: العنصر البشرى سبب 90% من مشاكله.. تصميمه أقل من التقليدى.. ويحتاج إلى موانع انزلاق قوية على جانبيه وتخطيط للحارات

 
- عم عبد الله وعم مصطفى.. يشكوان غياب الزبائن عن مشتل عادل أدهم فى «سواق الهانم»..  ورمضان محترف بيع الساندوتشات والهروب من البلدية
 

- أحمد بائع الجرائد: «الإنترنت والموبايل قتلوا مهنتنا».. بعت زمان لمحمود المليجى ودلوقتى محدش بقى يشترى

 
 
إذا أردت أن تلخص القاهرة، بناسها ومرورها وزحامها، بجمالها وعشوائيتها، قل كلمة السر: «كوبرى أكتوبر»، فلا يمكنك أن تجد مكانا يبوح لك بهذه الحكاية أكثر من كوبرى أكتوبر، كيف لا وهو شريان القاهرة وعمودها الفقرى، يمر وسط مبانيها الجميلة وحدائقها وعشوائياتها من أقصى شرقها لأقصى غربها، يعبر فوق صفحة نيلها الخالد، وأمام برجها الشامخ، ومقراتها الحكومية، وبيوت الناس غنيهم وفقيرهم، فوق الكوبرى يمكنك أن تجد ألف حكاية وحكاية، قصص تسير فوقه كل يوم، وتحت الكبرى ثمة قصص أخرى راقدة بعيدة عن الزحام، تروى رواية الإنسان المصرى.
 
كوبرى 6 أكتوبر ليس مجرد جسر هو الأطول فى الشرق الأوسط وأفريقيا، بل هو طريق طويل من القصص، يعبر فوقه نصف مليون شخص على الأقل كل يوم، وفى هذا العبور تتكون الرواية المصرية، تلك القصص التى حين ننسجها جميعا تخبر عنا كثيرا نحن شعب القاهرة.
 

فوق الكوبرى.. حكايات من نوع آخر

 
18 كيلو مترا ويزيد هى طول كوبرى أكتوبر، فى كل متر منها يمكنك أن تجد قصة مختلفة، كيف لا وهو المنشأة الهندسية التى استغرق إنشاؤها فصولا مهمة من تاريخ مصر، مات ناصر بعد عام من وضع حجر أساسه، حمل اسم العبور العظيم ووقف مخرجه لحى مدينة نصر شاهدا على اغتيال السادات، عبر عليه الثوار فى يناير ويونيو، ويعبر عليه كل يوم بشر يقربون من نصف مليون شخص، رحلة عبور اضطرارى فى الأغلب، فالكوبرى مزدحم وإذا تعطل المرور فوقه فكان الله فى العون. 
 
 
يقولون، إن الرئيس أنور السادات فى أثناء افتتاحه إحدى مراحل كوبرى 6 أكتوبر، داعب عثمان أحمد عثمان رئيس مجلس إدارة شركة المقاولون العرب المنفذة للكوبرى، وقال له: «الكوبرى ده جامد يا عثمان؟ خلى بالك أنا هعدى من عليه»، رحل السادات عام 1981 وقتها لم يكن كوبرى أكتوبر سوى 4 مراحل فقط، من أصل 9 مراحل المفترض تنفيذها على الكوبرى، وضع الرئيس جمال عبد الناصر حجر الأساس للكوبرى عام 1969 وقد أطلق عليه كوبرى «رمسيس»، غادر أبو خالد دنيانا بعدها بعام، وحين قامت حرب أكتوبر عام 1973 قرر الرئيس أنور السادات أن يغير اسم الكوبرى الأكبر فى مصر إلى اسم اليوم الأهم فى تاريخنا المعاصر 6 أكتوبر، مع الوقت نسى الناس اسم «كوبرى رمسيس»، وحذفوا من اسمه رقم «6»، ليصير اسمه مختصرا كما نعرفه اليوم «كوبرى أكتوبر».
 
 توقف العمل فى الكوبرى لمدة 10 سنوات، قبل أن يتم الانتهاء من مراحله التسعة بنهاية عام 1999، لتكون 30 عاما هى عمر إنشاء هذا الكوبرى الضخم، بتكلفة إجمالية قدرت بحوالى نصف مليار جنيه.
 
 
يبلغ طوله 18 كيلو و705 أمتار، أما عرضه فيتراوح بين 14 مترا فى أضيق نقاطه، و34 مترا فى أوسعها، هناك 23 مطلعا ومنزلا على امتداده، ويبدأ من عند المتحف الزراعى بشارع الدقى، وينتهى عند نادى المقاولين العرب بالجبل الأصفر.
 
 بعبورك فوق «كوبرى أكتوبر» فأنت تمر على أهم مناطق القاهرة تقريبا، تستطيع أن تلمح بسهولة مبنى ماسبيرو ببرجه الضخم وبما يحمله من شجون لتحوله من قوة ناعمة هائلة موجهة نحو العقول فى أنحاء الوطن العربى، إلى مبنى يعد رمزا للبيروقراطية وتضخم القطاع الحكومى، وبرج القاهرة برمزيته السياسية حين بناه ناصر، ونادى الجزيرة الذى كان يوما ما مكانا لالتقاء نخب مصر، بعدها بقليل ستصل إلى ميدان عبد المنعم رياض، تحت الكوبرى ضوضاء وإزعاج وموقف أتوبيسات وميكروباصات وباعة جائلون ومرحاض عمومى ومتسولون، وبشر كثيرون، وعلى يمينك ميدان التحرير، مكان الثورات والمظاهرات، كل المظاهرات والانتفاضات مرت من هنا، آخرها ثورة الـ30 من يونيو، إذا كنت تركب «حافلة» فستلمح قمة مبنى نقابة الصحفيين ومبناها الشامخ، أما إذا كنت تركب حافلة عادية فسيحجب الرؤية مبنى الشبان المسلمين العتيق، هنا قتل حسن البنا على تلك السلالم عام 1949، هنا مات ولكن أفكاره المسمومة مازالت تؤرق الدنيا كلها، على يسارك يقف مجمع محاكم الجلاء التى كانت يوما أكبر محاكم مصر، ما زالت آثار حريقها يوم 28 يناير عام 2011 إبان ثورة يناير باقية، ستمر بعدها على ميدان رمسيس من هنا يدخل القاهرة خلق كثيرون أغلبهم يخرج منها ليلا وآخرون يبقون فيها ولا يعودون أبدا، يصبحون شخصا آخر، مواطنا قاهريا متجهم الوجه عابسا غارقا فى الزحام وتائها، ستمر بعدها بورش السكك الحديدية الضخمة فى غمرة عمرها أكثر من 180 عاما حين مدت السكة الحديدية فى عهد الخديو عباس الأول، لتكون السكك الحديدية الثانية إنشاء فى العالم بعد نظيرتها فى بريطانيا، مد خطان الأول إلى الإسكندرية والثانى إلى السويس، حيث القصر الذى بناه الخديو غريب الأطوار نصف المجنون ليبتعد عن القاهرة، مات عباس فى قصره هذا على يد خدمه، ضربوه بالنعال حتى مات، واندثر قصره ولم يبق منه سوى أطلال قليلة.
 
 
 بعدها يرتفع بك الكوبرى ليصل أقصى ارتفاع له والبالغ 29 مترا، أى نحو 10 أدوار تقريبا فى منطقة الدمرداش، يمر بعدها بجوار كلية الطب بجامعة عين شمس، ومسجد النور ومئذنته وميدان العباسية، ثم عدد من الوزارات كوزارة الكهرباء والآثار والمالية، تختفى المساحات الشاسعة وتبدأ المبانى العشوائية والأسطح الملقى فوقها المهملات، لا يزاحمها فى ذلك سوى الإعلانات الضخمة، وفى نهايته يتفرع إلى ثلاث اتجاهات، إما طريق النصر ناحية جامع الأزهر حيث تنتظرك المنصة تلك التى اغتيل عليها السادات ذلك الرجل الذى اختار اسم هذا الكوبرى، أو طريق النصر جنوبا ذلك الطريق الضخم بدوره والذى يمر على قلعة صلاح الدين وعدد كبير من معالم القاهرة، أو تستكمل الطريق لتغادر القاهرة القديمة التى نعرفها متجها إلى قاهرة جديدة تتوسع وتنتشر لتنافس فى ضخامتها قاهرة المعز.
 
 
 
 تلك الرحلة يفترض أن تقطعها فى ثلث ساعة فقط، إذا التزمت بالسرعة القصوى على الكوبرى، لكن أبدا لا يقطعها أحد فى هذا الوقت، تمتد الرحلة فوق الكوبرى لساعات طويلة أحيانا، لا تخلق منه مجرد طريق عابر فى وسط القاهرة، بل تجعله وحشا يخشى الكثيرون ارتياده، هى مغامرة و«أنت ونصيبك»، قد تجده «ماشى» وهذا أمر نادر، وقد تجده متوقفا وهذا أمر معتاد لدى الكثيرين من سكان القاهرة، الذين باتوا يعتبرون الزحام المرورى جزءا لا يتجزأ من روتين حياتهم.
 
 
الكوبرى ليس فقط ذلك الزحام فوقه والمبانى حوله، فهناك عالم آخر موجود تحته، «باعة» و«سياس» ومتشردون بلا منازل تؤويهم، وأطفال شوارع، وقمامة، وبالطبع ملجأ للمزنوقين فى شوارع القاهرة، هؤلاء الذين لا يجدون بسهولة مرحاضا عاما فيضطرون لفك «الزنقة» تحت الكوبرى، تلك العادة السيئة التى تصاحبنا منذ سنوات طويلة، وتجبر أصحابها عليها غياب المراحيض العامة.
 

عم محمد: الكوبرى سبب ارتفاع نسبة الطلاق فى مصر

 
أول من صادفنا فى رحلتنا على الكوبرى كان عم محمد سائق التاكسى، والذى حين أخبرناه بموضوعنا الصحفى، قال بمنتهى البساطة: «كوبرى أكتوبر سبب ارتفاع نسبة الطلاق فى مصر»، طلبت تفسيرا منه فقال: «كأنك فى سيرك، حين يقضى شخص ما حياته على هذا الكوبرى من مدينة نصر إلى المهندسين كيف سيعود إلى بيته»: «مش هيكون طايق مراته ولا أولاده، ولا قادر حتى أن يسمع إلى كلمة واحدة»، قائلا: «عشان أتخلص من دا قررت إنى أكون متبلد المشاعر».
 
يعمل «الأسطى محمد» سائق تاكسى منذ 5 سنوات، قبلها عمل فى مجال «شبكات الإنترنت»، لكن الشركة التى يعمل فيها أغلقت أبوابها بعد ثورة يناير، حاول العمل فى شركات أخرى مختلفة، لكنه رفض أن يبدأ من جديد، وقرر أن يمتلك «البيزنس» الخاص به وهو سائق التاكسى، يقول عم محمد: «عندى مصاريف كان لازم أشوف شغلانة تنفعنى على طول».
 
يتفادى «عم محمد» على حسب قوله لـ«اليوم السابع» كوبرى أكتوبر، بقدر الإمكان يتخذ طرقا بديلا نظرا للزحام، ويرى أن السبب فى ذلك هو اتساع عدد حاراته فى أجزاء معينة وضيقها فى أجزاء أخرى، وحين تتعطل سيارة فوقه فإن عم محمد يجد نفسه مع آخرين فى ورطة كبيرة، يعتبر الفترة التى يقضيها على كوبرى أكتوبر أكثر فترات حياته مللا، ذات مرة اضطر أن يبقى 45 دقيقة كاملة على الكوبرى دون أن يتحرك مترا واحدا بسبب حادث، ورغم أن الكوبرى كما ذكرنا سلفا من المفترض أن تقطعه كله من أوله لآخره فى ثلث الساعة، إلا أن «عم محمد» يقضى عليه أحيانا ما يقرب من الساعة والنصف أو الساعتين.
 
 و عن «الحل» أجاب ببساطة: «مفيش حل» الشىء الوحيد الذى ينتظره أن تخلق العاصمة الإدارية الجديدة متنفسا يخفف الزحام فى القاهرة، يقول إنه منذ أول مرة مارس «قيادة التاكسى» أحس بالملل، لكنه لا يرى بديلا، هو موقف تورط فيه، بعد ظهور شركات تطبيقات السيارات الأجرة، فإن دخله انخفض كثيرا بنسبة 70% حسب وجهة نظره، لكن لا حل آخر، ينتظر أن يرى كيف ستتعامل الحكومة الفترة القادمة مع هذه الشركات، وحين توفق أوضاعها سيبيع السيارة التاكسى ويشترى أخرى جديدة ليعمل فى تلك الشركات.
 

عم ماهر: لو رجع الزمن للوراء لاخترت مهنة أخرى

 
«عم ماهر» رجل خمسينى، نحيل، يرتدى نظارة كبيرة العدسات، شاهدنا واقفين فوق كوبرى أكتوبر نقوم بالتقاط الصور، سألنا عما كنا نفعله قبل أن نركب معه لننتقل من منطقة إلى أخرى أعلى الكوبرى، فرد سريعا: «أهم حاجة تتكلموا عن فواصل كوبرى أكتوبر بين كل واحدة والتانية متر، وبتدغدغ العفشة بتاعة العربية، ودى عربيات صينى ما تستحملش»، قالها السائق بكل حماس، وهو يشرح كيف أن «الحكومة» قامت بتصليح أجزاء منها لكن هذا غير كافٍ، فواحدة منها فقط كفيلة بأن تعطى أى سيارة «الهبدة التمام» على حد تعبيره.
 
 
يعمل «ماهر» فى مهنة سائق التاكسى منذ 15 عاما، «زهق منها وزهقت» منه» كما يقول، لكن «ما باليد حيلة»، فكر كثيرا أن يبحث عن عمل آخر بدلا من مهنته التى تغيرت على مر سنوات عمله بها، يعلل هذا بأن الزحام أصبح لا يطاق خاصة بعدما صار شراء السيارات سهلا بالتقسيط المريح، كما أن الزحام أفقد الناس أخلاقيات القيادة.
 
لكن أكثر ما يضايق عم ماهر بخلاف الفواصل كانت مخالفات المرور التى يراها مرتفعة، يقسم يمينا أنه لولا الأولاد لترك عمله، كما أن فترة الثورة كانت الفترة الأكثر ضيقا فى حياته، مشيرا إلى أن ربحه مقسم بين ثلاث جهات «مصاريف الأولاد، والبنزين، وإصلاح السيارة والغرامات»، بخلاف ذلك فلا شىء يبقى له.
 
حين سألته هل فكر فى ترك تلك المهنة التى «زهق منها»؟، أجاب بحزن: «ياريت، بس أنا عندى 50 سنة، يا ريتنى كنت صغير زيك كده كنت سبتها طبعا». 
 

«باعة السميط» و«تصبيرة» الجائع بسبب الزحمة

 
على طول كوبرى أكتوبر خاصة فى أماكن اختناقاته، تلك التى يتحول فيها الكوبرى من اتساع إلى ضيق، أو على مطالع القادمين ليلتحقوا بالفوج العظيم، تراهم دوما، بهيئتهم المميزة يحملون «السميط والدقة»، «تصبيرة» الجائع المتورط فى الزحام.
 خدمة جليلة يقدمونها للمتورطين فوق كوبرى أكتوبر، حيث لا مجال لـ«الركنة»، أو حتى وجود لمحلات ساندوتشات، حاولنا كثيرا أن نجرى حوارا مع أحدهم، لكن كلما طلبنا من أحدهم رفضوا، لم نفهم السبب إلا حين أخبرنا الأخير، أن إحدى القنوات التليفزيونية أذاعت تقريرا عنهم، وفى اليوم التالى وجدوا أنفسهم مطاردين من «شرطة المرافق»، لذا فقد تعاهدوا جميعا على ألا يجروا حوارا تليفزيونيا أو حديثا صحفيا، حتى لا يجلبوا المشاكل لأنفسهم.
 
 

إنهم يعيشون «تحت الكوبرى»

 
إذا عبرت على كوبرى أكتوبر، وعلقت فى زحام مرورى فعلى الأرجح، ستنظر أمامك لتعرف متى ينتهى الزحام، أما إذا كان الكوبرى على غير العادة «سالك» فعلى الأرجح ستمضى مسرعا قبل أن يغير رأيه، فى الحالتين لن تفكر كثيرا فى عالم «تحت الكوبرى» ذلك العالم الذى يمتلئ بشرا، وحياة ورزقا، ونوعية خاصة جدا من الاقتصاد، ما بين من يزرعون الورود ويبيعون الجرائد، وهؤلاء الذين ينتظرون الزبون الجائع، وهناك أيضا من لفظهم الناس فلم يجدوا ملجأ سوى «عالم تحت الكوبرى»، هؤلاء تماما كما المارين أعلى الكوبرى، لهم آلامهم، وأحلامهم، وحياتهم، التى تدور أغلبها فى هذا العالم المخفى. 
 

مشتل سواق الهانم.. هنا باع عادل أدهم الورد

 
 أسفل كوبرى أكتوبر حياة أخرى وعالم من ناس مختلفين، ناحية الزمالك دلفنا إلى أحد «المشاتل» الموجودة هناك، ظهر هذا المشتل فى فيلم «سواق الهانم» حين يقرر عادل أدهم والقائم بدور أحد أفراد الطبقة الارستقراطية التمرد على طبقته فيفتتح مشتلا لبيع الورود، هذا المشتل نفسه هو الذى ذهبنا إليه فى رحلتنا خلال عالم «تحت الكوبرى»، هناك التقيت «الحاج عبد الله»، عمره يقترب من الستين تقريبا يعمل مديرا لهذا المشتل.
«الحاج عبد الله» يعمل فى المشتل منذ 25 عاما، يرى أن الأمور تغيرت كثيرا عما سبق، فلم يعد هناك بيع كما كان موجودا من قبل، واختلفت الأمور كثيرا، اضطر المشتل أن يصرف عددا من العمال نتيجة انخفاض الإقبال على شراء الزهور، كان لديهم زبائن موجودون كل أسبوع، اليوم قد يمر عام كامل قبل أن يحضروا، أشهر زبائن «الحاج عبد الله» كانت سيدة الشاشة العربية فاتن حمامة، وكذلك الفنانان نادية الجندى وفاروق الفيشاوى، أما عادل أدهم فكان زبونا يعتبر نفسه «صاحب المشتل» كما ظهر فى الفيلم.
 
أكثر ما يضايق عم عبد الله فى الحياة تحت كوبرى أكتوبر هو المدمنون، ويكشف أن «كوبرى أكتوبر»، مجوف من الداخل وليس مجرد كتلة صماء، بعض المدمنين يصعدون ليختبئوا فى هذا السلم ليتعاطون المخدرات.
 
بجوار «الحاج عبد الله» هناك «عم مصطفى»، هو أقدم عامل فى هذا المشتل، يعمل هنا منذ التأسيس، حكى لنا كيف أزال «الهيش» من على ضفة النيل مع العمال الذين قدموا لبناء هذا المشتل، تجاعيد وجه عم مصطفى تخبرنا كثيرا عما صنعه التاريخ ومرور الزمان، عمر كامل من «الكفاح والشقى» يبدو على وجهه، يتفاخر «عم مصطفى» بأنه الرجل الذى «لف بوكيهات الورد» التى ظهر بها عادل أدهم فى فيلم «سواق الهانم».
 
 
يشعر «عم مصطفى» بالأسى، فعمره فى هذه المهنة 38 عاما، مر به ناس كثيرون يحبون الزراعة ويحترمونها، لكنه يتضايق من «شباب اليومين دول»، الذين يريدون وردة لساعة واحدة قبل أن يلقوها فى القمامة، ويتمنى أن تنتشر المشاتل تحت كوبرى أكتوبر بطوله،
 

بائع جرائد محمود المليجى الذى سرق النت زبائنه

 
أحمد محمود، بائع جرائد، كشكه موجود تحت كوبرى أكتوبر، بدا لنا للوهلة أنه شاب ثلاثينى، لكننا اكتشفنا حين تحدثنا معه أن عمره يقترب من الخمسين عاما تقريبا، الكشك الخاص به موجود هنا منذ عام واحد فقط، لأنه وحسب روايته كان يقف فى مكان آخر أمام إحدى الكليات القريبة، ولكن «عميدة الكلية» أرادت أن تبنى تمثالا ضخما فى مدخل الكلية فطلبت نقله هو وآخرين إلى كوبرى أكتوبر.
 
 
يعمل فى مهنة «بائع الجرائد» منذ 20 عاما، لكن الحياة اختلفت كثيرا خلال رحلته فى هذه المهنة، المحمول والإنترنت قضيا على عمله، يقول ببساطة: «ليه أنزل من البيت وأتحرك وأشترى الجورنال بينما أنا ممكن أقرأ كل الأخبار على الإنترنت ببلاش؟».
 
حين سألناه هل فكر فى عمل آخر أجاب مستنكرا: «بعد السن ده؟! أنا عمرى 48 سنة، هعمل إيه يعنى؟»، يحاول تعويض ما فاته بكساد الجرائد عبر بيع كتب الأطفال ومجلاتهم والمجلات القديمة.
 
كان لديه زبائن من الأجانب، يحضر لهم مجلاتهم خصيصا، كان يحب التعامل معهم كثيرا لأنهم «مريحين»؛ بحسب تعبيره، لكنهم وبعد الثورة خسرهم جميعا حين غادروا مصر، لكن مجلاتهم ما زالت تأتى من مؤسسات توزيعها، لكنها تعود كما هى بالضبط لا يباع منها شىء.
 
ما زال يتذكر الأيام الخوالى حين كانت تجارته رائجة، أهرام الجمعة يأتى بالأكوام، جريدة المساء تباع منها مئات الأعداد لمحبى الرياضة يشترونها خصيصا لأنها تصدر متأخرا بعد انتهاء المباريات، الجرائد أصلا مهنة غير مربحة إلا إذا بعت منها المئات كما يقول أحمد، مكسب الجريدة الواحدة 16 قرشا، إذا أردت أن تربح 16 جنيها عليك أن تبيع 100 جريدة، وهذا رقم أصبح صعب المنال.
 
فى خلال رحلة عمره صادف أحمد زبائن كثيرين، لكن الزبون الأكثر اعتزازا به هو الفنان الراحل محمود المليجى، لم يكن وقتها يملك «كشك» للجرائد، بل كان صبيا صغيرا يبيع الجرائد فى أحد الأكشاك، ورغم كل الوجوه التى مرت عليه لكنه ما زال يعتز بأنه كان بائع الجرائد الخاص بهذا الفنان الكبير.
 
 
حين طلبنا أن نلتقط له صورة، طلب منا أن نتمهل قليلا، ودلف إلى داخل كشكه ليحضر مجلة يحتفظ بها منذ سنوات، ويريد أن يظهر بها فى الصورة، كان التراب يعلوها فأخذ ينفضه عنها، فتح صفحاتها وتصفحها بشغف، كانت مجلة أجنبية مصورة بها مشاهد من ميدان التحرير إبان ثورة 25 يناير، أشار ناحية صور المتظاهرين أثناء الصورة، وأخذ يقلب الصفحات ويرينا إياها بفخر، وهو يقول: «مين يقدر ينسى المشهد ده؟»، شارك أحمد فى ثورة يناير منذ اندلاعها وحتى تنحى مبارك، ورغم أن مبيعاته تأثرت كثيرا بعد الثورة وانخفضت، إلا أنه غير نادم على مثل تلك الثورة، بل هو نادم لأنها تأخرت كثيرا، يقول إنه لو عاد به الزمان وعلم ما كان سيدور فى مهنته بعد الثورة كان سيشارك فيها أيضا.
 

«خالد» الكفيف الذى أصبح «الكوبرى» أكثر حنانا عليه

 
على درجات أحد سلالم المشاة المنتشرة فوق كوبرى أكتوبر، تلك التى تنقلنا إلى عالم «تحت الكوبرى» التقينا «خالد» جالسا وسط أقفاص الفاكهة وبجواره ميزانه، كان يمسك عصا طويلة لم نفهم فى البداية سبب إمساكه بها، لكننا ما إن دار بيننا الحديث حتى أدركنا أنه كفيف، وأن تلك العصا المنزوعة من أحد الأقفاص الضخمة هى وسيلته فى التنقل.
 
 
فقد خالد البصر منذ 8 سنوات تقريبا على حسب ما يذكر، خالد القادم من سوهاج شق طريقه فى تجارة الفاكهة فى القاهرة، حتى إنه امتلك سيارة نقل ينقل بها تجارته التى ازدهرت يوما بعد يوم، لكن القدر كان يخبئ له مفاجأة غير سارة حين انقلبت به السيارة وتسبب الحادث فى فقدان بصره فتغير شكل حياته.
 
لم يرو لنا خالد التفاصيل التى أتت به بائعا إلى «كوبرى أكتوبر»، لكنه يرى فيه بديلا أكثر حنانا من أماكن أخرى، يقول: «ربنا بيرزق كل بنى آدم، أنا لو رحت السوق ماليش مكان هناك، ومع الدوشة هتلخبط والناس هتضحك علىّ، علشان كده سبت السوق ووقفت هنا».
 
 
 لو توفر مكان آخر لخالد ليبيع فيه الفاكهة لذهب على الفور، لكنه مرتاح هنا، رغم أن هناك مجموعة من «لصوص» لا يعرفهم يسرقونه كل يوم، يشير ناحية الميزان، فى البداية سرقوا الميزان، اشتريت آخر سرقوا كفاته والموازين، ذات مرة سرقت منه «سباطة موز كاملة»، يستغلون عمى عينيه ويغافلونه، لا يكتشف السرقة إلا حين يتحسس بضاعته فلا يجدها، على أمل أن يوقف السرقة ينام خالد ليل نهار على الكوبرى ولا يذهب إلى بيته أبدا.
 

بائع الساندوتشات صاحب رحلة الهروب من «البلدية»

 
 تحت إحدى «نزلات» كوبرى 6 أكتوبر يقف رمضان، يبيع ساندويتشات يصنعها بيديه، أغلب بضاعته مخبأة خلف سور إحدى الحدائق القريبة من الكوبرى، بخطوات رشيقة وكلما نفد منه الخبز أو «الحشو» يجرى سريعا ناحية السور فيحضر بعضا منه، فى تصرف لم نفهمه سوى حين تحدثنا معه.
 
رمضان الذى جاء من بلده فى محافظة بنى سويف منذ 4 سنوات جرب حظه فى كثير من المهن، لكنه كما يقول كان مازال «صغير وطائش»، لذا تنقل بين عدد كبير من المهن، وكان شقيقه يقف هنا تحت «الكوبرى» يبيع الساندويتشات، لكن أتى موعد التحاقه بـ«التجنيد»، وعندما ذهب إلى الجيش أوصى رمضان بـ«فرشة الساندويتشات»، وبعد عامين انقضيا منذ ذلك الوقت لا يزال رمضان واقفا فى مكانه رغم كل المشكلات، زبائنه فئتان «الموظفون» فى المصالح القريبة من الكوبرى، وسائقو التاكسى.
 
«أكتر حاجة بتقلقنى البلدية» يقول رمضان «يأخذون صندوق الأكل الضخم الذى يحتوى البضاعة» مؤكدا أن المطاردة بينهما متعادلة، مرة يهرب منهم، ومرة يمسكون به، لذا يخفى أغلب بضاعته بعيدا عن الأنظار خلف سور «الحديقة» حتى لا تكون الخسارة كبيرة.
ما زال يتذكر المرة الأولى التى واجه فيها هذا الموقف، فلم يعطه أخوه فكرة عن «البلدية» تركه ليواجه مصيره بنفسه، فجأة وجد بائعا آخر يحمل بضاعته ويجرى ويقول له: «اجرى البلدية جاية»، لم يعرف كيف يتصرف، ارتبك وحمل بضاعته وهو يشعر بالهلع، ومن فرط ارتباكه سقط أرضا ومعه كل البضاعة فأخذوها منه وضحكوا عليه وقالوا له «أحسن»، على حد تعبيره.
 
سألناه إذا أتيح له أن يفتح «كشك» ويدفع فى مقابل هذا رسوم هل يوافق؟، لمعت عيناه وهو يجيب: «يا ريت، أنا اللى بكسبه فى أسبوع ممكن أخسره فى لحظة لما البلدية بتيجى تاخد حاجتى».
 

من المسؤول عن أزمة المرور اليومية على 6 أكتوبر؟ وما الحل؟

 
«انقلاب سيارة أعلى كوبرى أكتوبر»، «سقوط سيارة من أحد الحواجز» حوادث متكررة فى السنوات الأخيرة، إلى جانب المعاناة شبه اليومية من الزحام على الكوبرى الأطول فى مصر والتى تصل إلى الشلل المرورى أحيانًا، وهو ما دفع إدارة المرور إلى تركيب شاشات إلكترونية على المحاور الحيوية المؤدية إليه، لإرشاد المواطنين بحالة الكثافات المرورية واقتراح طرق بديلة، بالإضافة إلى توعيتهم بآداب وقواعد المرور، فهل يمكن لهذه المبادرة حل أزمة كوبرى أكتوبر اليومية؟ وما الحلول الأخرى التى يمكن علاج مشكلة الكوبرى من خلالها؟ 
 
يرى اللواء مجدى الشاهد، الخبير المرورى، أن فكرة عمل شاشات عليها إرشادات وتوجيهات للمواطنين تنصحهم بتجنب كوبرى أكتوبر فى حالة الزحام وتطرح عليهم طرقًا بديلة ليست عملية ولا مفيدة، ويوضح لـ«اليوم السابع»: هذه الإرشادات والشاشات تقترح على المواطنين أن يتجهوا إلى المسطحات الأرضية بدلاً من الكوبرى عند ازدحامه ويكون هدفها فقط الابتعاد عن الكوبرى دون معرفة هل هذه البدائل نفسها سيولتها المرورية جيدة أم لا، فغالبًا ما تكون المسطحات الأرضية ليست بديلاً مناسبًا للكوبرى لأن «منزل» الكوبرى غالبًا ما يكون هو السبب فى ازدحامه بالتالى بهذه الطريقة لن نحل المشكلة لأنه حتى فى غياب الكثافة عن الكوبرى ستظل مشكلة الزحام قائمة بسبب ازدحام المسطحات الأرضية عند منازل الكوبرى.
 
ولحل مشكلة شلل كوبرى أكتوبر من حين لآخر يقول الخبير المرورى، إنه ينبغى أن ندرك أن مشكلة كوبرى أكتوبر تنبع من مطالعه ومنازله، فهى جهات تفريغ الكوبرى وتتحكم فى الحركة المرورية، المنزل هو ما يتحكم فىّ وليس الكوبرى، لأنه ليس عليه إشارات، «مربط الفرس» كله فى المنازل، فالتحكم فى توسيع وتضييق الحارات عند مطلع ومنزل الكوبرى يجب أن يتم وفقًا لتخطيط وتنسيق وليس بشكل روتينى فى ساعات بعينها دون متابعة دقيقة للحالة المرورية وما تستدعيه من تصرف. ويضيف: من المهم أيضًا وضع إشارات مرورية عند منازل الكوبرى للعمل على تحقيق التوازن والمواءمة بين السيولة المرورية أعلى الكوبرى وأسفله عند المسطح الأرضى لمنع تكدس السيارات فوق الكوبرى.
 
أما اللواء يسرى الرودى، الأكاديمى والباحث فى علوم المرور والخبير الدولى للمرور والإنقاذ والتدخل السريع فى الحوادث والكوارث فى منطقة الشرق الأوسط، فيرى أن العنصر البشرى مسؤول عن مشكلة الزحام والحوادث على كوبرى أكتوبر بنسبة 90%، فيما يحتاج الكوبرى نفسه إلى تطويرات تقلل من نسب الحوادث وتحوله من طريق أقل من تقليدى إلى طريق «رحيم» يستوعب أخطاء أكثر من قائدى سياراته دون أن تقع حوادث. ولخص الخبير الدولى للمرور حل مشكلة كوبرى أكتوبر ومشكلة المرور فى مصر بشكل عام فى 4 نقاط، أولها أن يكون هناك إرادة سياسية للحل، ثم أن يُسأل المتخصصون وليس من يدعى أنه من المتخصصين، وبعدها أن يترجم المشرع كلام المتخصصين إلى قوانين وتشريعات وأخيرًا وجود إرادة تنفيذية لتطبيق هذه القوانين بصرامة. ويقول اللواء الرودى لـ«اليوم السابع» إن مشكلة كوبرى أكتوبر تنبع من الجهل الشديد لسائقى السيارات بقواعد المرور الصحيحة واشتراطات الأمان، وهو ما يجعلنا نرى سيارات تسير فى منتصف حارتين وتتنقل بينهما مما يسبب ارتباكًا مروريًا، بالتالى لا يمكننا أن نتحدث عن طرق بديلة والمشكلة من الأساس فى العنصر البشرى وفى مفهومنا عن استخدام السيارات.
 
ويضيف الخبير الدولى للمرور: كان من الأولى أن يشترط قانون المرور الجديد عدم استخراج الرخصة إلا بعد الحصول على تعليم وتدريب فى مدرسة قيادة وليس الاكتفاء باختبار عند استخراجها. أما فيما يخص بنية الكوبرى فيقول، إنه طريق أقل من التقليدى فالحواجز على جانبى الطريق ضعيفة جدًا لا يمكنها أن تمنع سقوط السيارات من أعلى لأسفل، ويحتاج تركيب مانع انزلاق crash barrier على الجانبين وفى المنتصف لمنع خروج السيارات من اتجاه لآخر حال وقوع حادث وإفلاتها من سيطرة السائق. يضيف: الفواصل الحالية للكوبرى وتكرار تزحزحها للأمام والخلف تقصر من العمر الافتراضى للكوبرى بالتالى يجب استبدالها وتطويرها.
 
 
 
 

إضافة تعليق



التعليقات 3

عدد الردود 0

بواسطة:

مصرى

تحيه من القلب

 تحيه من القلب الى (كتب محمود حسن و تصوير محمد خيرى) فعلا تقرير ممتاز وانتقاء للكلمات و و الجمال و التعبير و الاداء وووو.... ممتاز ممتاز 

عدد الردود 0

بواسطة:

محمد عفيفي

تحقيق رائع

في البداية أودّ أن أحيي كاتب التحقيق على أسلوبه الرائع في كتابة التحقيق باحترافية عالية تنم عن مهارة في تطويع اللغة ومفرداتها لما يريد فضلا عن النجاح في الشق النحوي الذي يسقط فيه الكثير. نتمنى اثراء القارئ بمثل تلك التحقيقات الشيقة وتحية مرة أخرى للكاتب والمصور.

عدد الردود 0

بواسطة:

Ali

تقرير رائع

نقرير رائع جدا وشامل، مكتوب باحتراف، لكن الصور مش أد كده.

اضف تعليق

تم أضافة تعليقك سوف يظهر بعد المراجعة



مشاركتك بالتعليق تعنى أنك قرأت بروتوكول نشر التعليقات على اليوم السابع، وأنك تتحمل المسئولية الأدبية والقانونية عن نشر هذا التعليق بروتوكول نشر التعليقات من اليوم السابع
الرجوع الى أعلى الصفحة