خالد صلاح

سهيلة فوزى

بركات الشيخ حسان

الأحد، 25 يونيو 2017 08:00 م



إضافة تعليق

تؤمن أن البركة ذهبت يوم ضاعت، لا تدرى كيف اختفت أو متى بالضبط. ظلت سنوات طويلة داخل حافظة نقودها، تلف فى جوفها جنيهاتها القليلة، تقول دوما لأطفالها أن الحافظة لا تخلو أبدا من النقود من يوم وضعت كسوة الضريح  داخلها. قطعة قماش صغيرة استحال لونها الأخضر مع مرور الوقت، اقتطعها شقيقها من كسوة ضريح الشيخ حسان يوم أقام أهالى قريتهم مولد الشيخ أول مرة.

تتذكر يوم زارها شقيقها فى القاهرة حاملا إليها قطعة القماش. خضراء صغيرة لا تتجاوز مساحتها كف اليد المبسوطة اقتطعها من كسوة الضريح، حكى لها كيف رفض الشيح حسان إمام المسجد الخروج من القرية إلى المقابر فى الجبل بعد وفاته.
كان يوما مشهودا بالقرية والمركز التابعة له.

 يومها دق جرس الهاتف فى مكتب مأمور المركز، أجاب المأمور بصوت يملأه كثير من الوقار والحزم وكأنه يريد اختصار شخصه العظيم كمأمور للمركز فى صوته، فى وقت جاءه الصوت من الطرف الآخر مترددا ضعيفا:

- عمدة كفر عدل يا جناب المأمور
- خير يا حضرة العمدة
-  الشيخ حسان إمام الجامع الكبير  تعيش أنت يا جناب المأمور.
 -
البقاء لله.
-
ونعم بالله. فيه مشكلة بسيطة يا جناب المأمور. الشيخ حسان رفض يدفن.
-
رفض يدفن؟ .. والمرحوم ردت فيه الروح ولا رفض يدفن وهو ميت.
-
لا رفض وهو ميت ، هو الميت يصحى يا جناب المأمور.
-
صحيح، الميت مايصحاش لكن يرفض يدفن.
-
الشيخ حسان غرضه يدفن فى الجامع الكبير. عشرة رجال شداد لم يستطيعوا إخراج النعش من الجامع.
-
رجل ميت وتقول غرضه. أدفنوه فى المقابر بمعرفتكم أو أرسل لكم قوة من العساكر يدفنوه.

لا يدرك المأمور الغريب عن البلدة والمحافظة كلها فرحة أهل القرية بشيخهم. فرحة طالما انتظروها وحلموا بها. أن يكون لقريتهم ولى من أولياء الله. يحيط القرية برعايته وكراماته. يبنون له مقام وقبة وينصبون له مولدا كل عام. ضاقوا بمولد شيخ القرية المجاورة. أهلها لا يرحبون بضيوف الشيخ، يتعالون على مريديه.

 لكن أهل القرية تعهدوا أمام الله إذا ما منحهم وليا من أبنائهم، أن يولوا زواره الرعاية وحسن الضيافة، حلم قديم حملته أجيال داخل قلوبها حتى يئست من تحقيقه يتجسد الآن، يدرك العمدة ما يدور فى قلوبهم وداخل عقولهم. لكنه يدرك أيضا أن المأمور لن يقبل بدفن الشيخ داخل الجامع الكبير، وسبب الرفض لن يتعدى الجملة المعروفة دائما لدواع أمنية سيكتفى المأمور بتلك العبارة المطاطة التى لا يدرى لها أى إنسان أول من آخر.
مازال المأمور على الهاتف. القوة فى الطريق يا عمدة لإنهاء الموضوع. ضاع الصوت على الطرف الآخر. سقط العمدة فى خياله. هل يتطور الأمر إلى حد الاشتباك بين الأهالى والشرطة. ماذا يفعل وقتها؟ يأخذ صف السلطة. القانون والنظام الذى يمثله بحكم منصبه، أم يقف إلى جانب أهل بلدته ويساعدهم فى تحقيق حلمهم؟
استراح الجثمان فى النعش وسط الجامع. فشل رجال القرية فى زحزحته شبرا واحدا. السعادة بادية على وجوه الأهالى بعد كرامات إمام جامعهم الكبير الذى تحول فى نظرهم إلى ولى من أولياء الله الصالحين. يقود نعشه ويقرر أين يدفن، وما عليهم إلا أن يقيموا فوق مرقده قبة وكسوة خضراء للضريح.

استقبل العمدة مأمور المركز والقوة المصاحبة له. ألح على المأمور أن يصرح للجثمان بالدفن فى الجامع. وكما توقع أصر المأمور على الرفض، وهدد باستخدام القوة لنقل الجثمان، العمدة يخشى أهل قريته. يخشى نشوتهم بشيخهم الجديد ولى من أولياء الله ظهر فى القرية. هدية من الله من يجرؤ على رفضها، كيف يلقون شيخهم خارج القرية إرضاءا للمأمور ، العمدة يعلم جيدا أن دون ذلك الرقاب.
وبينما يحاول العمدة جاهدا إقناع المأمور، انسلخ شيخ البلد من الحشد المحيط بالمأمور من وجهاء القرية وكبار رجالها. اتجه ناحية الجامع. خلع نعليه. ألقى السلام على الجثمان المسجى داخل النعش، ثم جلس إلى جواره . نقر بإصبعيه على النعش ثلاثا وكأنه يستأذن الشيخ فى الحديث. مال شيخ البلد على النعش وتحدث هامسا: شيخ حسان أنت مايرضكش خراب البلد والمشاكل لأهلك وناسك، هما عايزين ياخدوك، وإحنا منفرطش فيك أبدا، لكن ما باليد حيلة، اتنازل عن الجامع الكبير وأقبل بالساحة الشرقية وراء الجامع.
صمت شيخ البلد وإزداد التصاقا بالنعش، وكأنه ينتظر الرد. لحظات مرت وأهل البلد يتحلقون حول النعش بلا حركة، وكأن على رؤسهم الطير.
لا يفهمون ما يدور بين شيخ البلد وإمام مسجدهم الراحل.

 ترك شيخ البلد النعش خلفه وخرج مستندا على عصاه وفكرته وتوجه للمأمور قائلا:
-  
يا جناب المأمور إحنا نقسم البلد نصين إذا كنت معترض على دفن الشيخ حسان داخل الجامع، الساحة الشرقية وراء الجامع خالية ندفنه فيها ونقيم القبة والضريح.
رد المأمور ساخرا
- الشيخ حسان وافق على هذا الاقتراح يا شيخ البلد.
-
وافق يا جناب المأمور.

انصرف المأمور وعساكره وانخرط أهل القرية فى التحضير لبناء ضريح الولى الجديد.


إضافة تعليق



لا توجد تعليقات على الخبر
اضف تعليق

تم أضافة تعليقك سوف يظهر بعد المراجعة



مشاركتك بالتعليق تعنى أنك قرأت بروتوكول نشر التعليقات على اليوم السابع، وأنك تتحمل المسئولية الأدبية والقانونية عن نشر هذا التعليق بروتوكول نشر التعليقات من اليوم السابع
الرجوع الى أعلى الصفحة