خالد صلاح

د. عباس شومان

وَلا تَنْسَ نَصِيبَكَ مِنَ الدُّنْيَا

الأحد، 18 يونيو 2017 10:00 م


إن من مزايا الإسلام أنه دين متوازن معتدل، دين الوسطية،  وشريعة الوسطية، لأمة الوسطية، ومن هذا التوازن والاعتدال جاءت هذه الجملة الربانية واللفظة القرآنية: ولا تنس نصيبك من الدنيا، فهى دعوة ربانية جاءت تخاطب الأمة كلها بأن تعتدل فى حياتها، فلا تهمل الدنيا ولا الآخرة، ودعوة لأصحاب الأموال، الذين غرتهم أموالهم وغرتهم أنفسهم وظنوا أن ما عندهم إنما هو من كسب أيديهم، ومن هؤلاء ما وردت الآية فى سياق نصحه، وهو قارون الذى وجه له هذا الخطاب.
 
والإرشاد، كما يوجه لقارون فهو موجه كذلك لعموم الأمة، ونكرر هنا: إن العبد المؤمن هو الذى يوقن بقلبه أن كل شىء من الله، وأن مفاتيح الرزق بيد الله، وأن الله لو شاء أغنى عباده، ولو شاء أخذ منهم أموالهم، قال تعالى: وإن من شىء إلا عندنا خزائنه وما ننزله إلا بقدر معلوم، فلا يقبل من مؤمن عاقل أن يظن أن نفسه هى التى أتته بالخير والمال والوظيفة والولد، إنما كل هذه النعم من الله.
 
إن هذا الأدب الربانى يدعو الناس إلى الاعتدال والتوازن، فقوله تعالى: {وَلَا تَنْسَ نَصِيبَكَ مِنَ الدُّنْيَا}: نهى عن الانشغال بالدنيا، ولأن القلوب متعلقة بالمال وحبه، كما أخبر الله تعالى فقال: وإنه لحب الخير لشديد، أى حب المال، وكما أخبر النبى صلى الله عليه وسلم حين قال قلب الشيخ شاب على حب اثنتين: طول الحياة وكثرة المال، لأن القلوب متعلقة بالمال فلا يعقل أن يكون النهى عما تعلق به القلب فهو لا ينساه، لكن فى التعبير بهذه الألفاظ بلاغة رائعة، ودعوة طيبة، وكأنه يقال: لا تتركن الدنيا بالكلية ومباهجها وزينتها، التى أباحها الله لعباده، وكأنه يقال كذلك: إن الدنيا هينة حقيرة حقها أن تنسى، لذلك نبه عليها كأنها لحقارتها ينبغى أن تنسى،  وكأن هذا سلوك الصالحين، الذى ينبغى أن يكون.
 
ويمكن أن نأخذ من عموم اللفظ القرآنى فى هذه الجملة ما يكون ميزانًا للاعتدال فى كل أمورنا، فى العبادة وفى العمل، وفى العقيدة، ومن ذلك ما وقع من بعض  أصحاب النبى صلى الله عليه وسلم فقد نظروا إلى عبادة النبى صلى الله عليه وسلم وسألوا عليها، فلما أخبروا فكأنهم تقالّوها، أى عدوها قليلة فقالوا: أين نحن من  النبى صلى الله عليه وسلم وقد غفر الله له ما تقدم من ذنبه وما تأخر! قال أحدهم: أما أنا فإنى أصلى الليل أبدًا، وقال آخر: أنا أصوم الدهر ولا أفطر! وقال آخر: أنا أعتزل النساء فلا أتزوج أبداً، فجاء رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: أنتم الذين قلتم كذا وكذا؟ أما والله أنى لأخشاكم لله وأتقاكم له، لكنى أصوم وأفطر، وأصلى وأرقد، وأتزوج النساء، فمن رغب عن سنتى فليس منى.
 
وقد تمثل أصحاب النبى صلى الله عليه وسلم هذه الوسطية وهذا الاعتدال حتى إن سلمان ليعلِّم الأمة كلها الوسطية والتوازن فى التعامل، فيقول للأمة كلها فى شخص أبى الدرداء: إِنَّ لِرَبِّكَ عليك حَقًّا، وإِنَّ لِنَفْسِكَ عليك حَقًّا، ولأهْلِكَ عليك حَقًّا. فَأَعْطِ كُلَّ ذِى حَقٍّ حَقَّهُ.
 
وبهذا المنهج المتوازن المبنى على الكتاب والسنة كان أئمة الإسلام، وعلماء الشريعة يردون على من سولت له نفسه فغالى فى مجال من مجالات الحياة من العبادات القلبية أو اللسانية أو البدنية أو المالية، أو حتى العادات، وذلك بتحقيق ما أراد الله من مقاصد هذا الدين من يسر وسماحة وسهولة وتيسير.




التعليقات 0

عدد الردود 0

بواسطة:

الشعب الاصيل

ولا تنسي نصيبك من الدنيا

يا فضيلة الشيخ...نصيبي من الدنيا أثقل كاهلي فواتير وضرايب وأسعار ومصايب واهمال وخرايب ولكن الحمد لله لسه حبايب

اضف تعليق

تم أضافة تعليقك سوف يظهر بعد المراجعة



مشاركتك بالتعليق تعنى أنك قرأت بروتوكول نشر التعليقات على اليوم السابع، وأنك تتحمل المسئولية الأدبية والقانونية عن نشر هذا التعليق بروتوكول نشر التعليقات من اليوم السابع
الرجوع الى أعلى الصفحة