خالد صلاح

نص محاضرة سلطان بن سلمان فى صالون رياض النيل بالقاهرة.. شقيق ولى العهد: السعودية تسهم فى مستقبل البشرية وشعبها مكلف بتحقيق ازدهار العالم.. ويؤكد: الجزيرة العربية شهدت أحداثا أكسبت شعوبها خبرات بكافة المجالات

الخميس، 07 ديسمبر 2017 07:39 م
نص محاضرة سلطان بن سلمان فى صالون رياض النيل بالقاهرة.. شقيق ولى العهد: السعودية تسهم فى مستقبل البشرية وشعبها مكلف بتحقيق ازدهار العالم.. ويؤكد: الجزيرة العربية شهدت أحداثا أكسبت شعوبها خبرات بكافة المجالات الأمير سلطان بن سلمان بن عبد العزيز آل سعود


كتبت إسراء أحمد فؤاد

ألقى الأمير سلطان بن سلمان بن عبدالعزيز آل سعود، رئيس الهيئة العامة للسياحة والتراث الوطنى بالمملكة العربية السعودية، محاضرة ثقافية شاملة فى صالون "رياض النيل" الذى يقيمه السفير أحمد عبدالعزيز قطان، سفير المملكة العربية السعودية بالقاهرة، وعميد السلك الدبلوماسى العربى، تطرق خلالها إلى مجموعة من الأفكار والموضوعات التى ترتبط بقضايا المنطقة العربية، وأشار فيها إلى أهمية تعزيز الهوية والانتماء فى نفوس مواطنى الدول، مبينا خطورة تفريغ المواطن العربى من انتمائه لعقيدته وعروبته، وقيمه، وارتباطه بتاريخه وحضاراته وأرضه، ومؤكدا أن المحافظة على أوطاننا لا تنحصر فى بناء الأمن فقط، بل تتعداه إلى تنشئة جيل واع بتاريخ وطنه، وكيف تحققت مكتسباته الوطنية والإنسانية، موضحا أهمية المحافظة عليها كمنجز تاريخى تعاقبت على تحقيقه الأجيال.

 

وقال شقيق ولى العهد السعودى، خلال المحاضرة، إن المملكة العربية السعودية تساهم فى مستقبل البشرية وشعبها مكلف برسالة سامية لتحقيق ازدهار العالم، وأن شعب هذه الأرض المباركة قادر على بناء مستقبل زاخر بالخير والازدهار، وأنه مهيأ لأن يكون مساهماً فاعلاً فى مستقبل البشرية مادام واثقاً بدينه، متسلحاً بالقيم والأخلاق والقدرات التى توراثها عبر الأجيال، مؤمناً بأن الإسلام دين عالمى، وأنه دين الانفتاح والتسامح والتطوير المستمر والمتواصل عبر مراحل التاريخ.

 

الأمير سلطان بن سلمان
الأمير سلطان بن سلمان
 

وأضاف: "لقد شهدت أرض الجزيرة العربية أحداثاً مهمة عبر أطوار التاريخ وتعاقبت عليها الحضارات، مما أكسب شعوبها فى الماضى والحاضر مهارات وخبرات متوارثة ومتجددة فى مجالات عدة أتى ذكرها سالفاً، ومنها الأدب والشعر والفنون والعلوم، وفى التجارة والسياسة والحرب، وإدارة العلاقات الدولية فى محيط الجزيرة العربية، ما يؤكد أن سكان هذه المنطقة الاستراتيجية من العالم ليسوا تجار نفط أو سواق إبل كما يردد من يجهل تاريخ ورسالة هذه الأرض الشامخة عبر العصور، بل إنهم يعيشون فى أرض كرمها الله بالإسلام".

 

وأكد: "لقد كلف شعبها برسالة سامية ومسؤولية جسيمة، ومكنهم فى الأرض، ليكون لهم مكانة بين الأمم ودور رائد فى مستقبل البشرية، وما داموا ثابتين على المبادئ التى حققت لهم الخير والازدهار، وواعين بمسؤوليتهم التاريخية ومكانتهم الحضارية والمستحقة بين الأمم، فمن الطبيعى أن يكون لهم دور ريادى فى مستقبل هذا العالم بإذن الله تعالى".

 

وأوضح الأمير السعودى قائلا: "فى محاضرة ألقيتها فى مركز أكسفورد للدراسات الإسلامية بتاريخ 18 جمادى الآخرة 1431هـ الموافق 1 يونيو 2010م والكلمة التى ألقيتها فى مؤتمر الجزيرة العربية الخضراء بجامعة أكسفورد بتاريخ 2 جمادى الآخرة 1435هـ الموافق 2 إبريل 2014م، وفى كلمة ألقيتها فى اجتماعات الدورة الثامنة عشرة لوزراء العرب ووزراء الثقافة فى البلاد العربية بالشارقة بتاريخ 5 ربيع الأول 1437هـ الموافق 16 ديسمبر 2015م، أكدت على حقيقة مفادها: أن الإسلام، امتداد للأديان السماوية، وجوهره التوحيد الخالص لله تعالى، هو دين الفطرة الذى اختاره الله سبحانه وتعالى للبشرية منذ خلقها الله، وأن اختيار الجزيرة العربية مهبطا للوحى ومهدا لرسالة الإسلام الخاتمة التى نزلت على النبى محمد، صلى الله عليه وسلم، امتداد لذلك التدبير الإلهى، وأن مسار الحضارة فى الجزيرة العربية مرتبط بهذا الموضوع الأهم فى تاريخها، ولذا فإن الإسلام لم ينزل فى أرض مفرغة من الحضارات، بل إن كل ما وقع على أرض الجزيرة العربية من أحداث دينية وحضارية وإنسانية كانت بمثابة مقدمات وبشائر هيأت وأفضت إلى بزوغ شمس الإسلام من هذه الأرض المباركة، لذلك فالعناية بآثار الحضارات الإنسانية على أرض الجزيرة العربية تعد فى نظرى من باب العناية بتاريخ الدين الإسلامى والحضارة العربية والإسلامية فى مكان قدر الله أن يكون مهيئا عبر مراحل تاريخية متعاقبة ليشهد انطلاق الإسلام دينا للبشرية جمعاء، وفى لحظة تاريخية مقدرة منذ الأزل، والله أعلم".

 

وأضاف: "فى كلمة ألقيتها فى اجتماعات الدورة الثامنة عشرة لوزراء العرب ووزراء الثقافة فى البلاد العربية بالشارقة بتاريخ 5 ربيع الأول 1437هـ الموافق 16 ديسمبر 2015م، أكدت فيها أهمية تعزيز الهوية والانتماء فى نفوس مواطنى الدول وبينت خطورة تفريغ المواطن العربى من انتمائه لعقيدته وعروبته، وقيمه، وارتباطه بتاريخه وحضاراته وأرضه، فمهمة المحافظة على أوطاننا لا تنحصر فى بناء الأمن فقط بل تتعداه إلى تنشئة جيل واع بتاريخ وطنه وكيف تحققت مكتسباته الوطنية والإنسانية وأهمية المحافظة عليها كمنجز تاريخى تعاقبت على تحقيقه الأجيال وفق منظومة القيم والثوابت التى نعتز بها".

 

واستطرد: "لقد أردت من ذلك الطرح فتح نافذة للتفكير والتأمل فى أمر له فى ظنى أهمية بالغة لنا معشر المسلمين، ألا وهو بدأ الإسلام، ولقد دفعنى ذلك إلى استقراء التاريخ الحضارى للجزيرة العربية، وعلاقته بدعوة التوحيد من خلال ما هو متاح حتى الآن من محتوى تاريخى ومعلومات توصلت إليها مكتشفات الآثار التى لاتزال هذه المكتشفات فى بدايتها فى الجزيرة العربية، وبعد تفكير وتأمل بما احتواه القرآن الكريم وما ثبت عن الرسول الأمين محمد، صلى الله عليه وسلم، وبعد تداول الآراء حيال هذا الموضوع المهم، ومع نخبة من علماء الشريعة، وعلماء الآثار والتاريخ، الذين أثروا هذا الموضوع بأفكارهم النيرة وملاحظاتهم القيمة، جاءت هذه الورقة".

 

العاهل السعودى سلمان بن عبد العزيز
العاهل السعودى سلمان بن عبد العزيز

وتابع: "يقول الله سبحانه وتعالى فى كتابه العزيز: «إن الدين عند الله الإسلام» «سورة آل عمران: آية 19»، وآدم عليه السلام هو أبوالبشر، وأول المسلمين، قال سبحانه وتعالى: (إذ قال ربك للملائكة إنى خالق بشرًا من طنين «71» فإذا سويته ونخفت فيه من روحى فقعوا له ساجدين «72») «سورة ص»، وورد فى بعض المصادر الإسلامية أن آدم عليه السلام عندما أهبطه الله إلى الأرض التقى بزوجته حواء قرب مكة، وعلى الرغم مما يذهب إليه كثير من أهل العلم من أن اجتماع آدم بحواء قرب مكة ورد فى الإسرائيليات، فإن هذه الرواية تدل على قدم تلك الأماكن المقدسة، وأنها شهدت بواكير ديانة الأمة الواحدة، ونستشهد بقول الله سبحانه وتعالى: «إن أول بيت وضع للناس للذى ببكة مباركا وهدى للعالمين» «سورة آل عمران: آية 96»، حيث يذكر بعض المفسرين أن إبراهيم، عليه السلام، عندما أمره الله بالتوجه إلى مكة فى القرن الثامن عشر قبل الميلاد، قام بإعادة بناء الكعبة، وأن قواعدها كانت مدفونة فى ربوة صغيرة تتوسط الوادى، وأن بناءها ابتداء كان فى زمن سابق لإبراهيم، عليه السلام، ويستدلون على ذلك بقوله تعالى: «وإذ يرفع إبراهيم القواعد من البيت» «سورة البقرة: آية 127»، أى أن قواعد البيت أى أساساته كانت موجودة قبله، وأنه، عليه السلام، هو من رفعها إلى المستوى الذى بنيت عليه الكعبة فى زمانه، عليه السلام، فكان إبراهيم، عليه السلام، على ملة الإسلام بشهادة الخالق جل وعلا الذى قال: «ما كان إبراهيم يهوديًّا ولا نصرانيًّا ولكن كان حنيفًا مسلمًا وما كان من المشركين» «سورة آل عمران: آية 67».

 

وأوضح قائلا: "لقد قضى الله أن يكون الإسلام الذى نزل على محمد، صلى الله عليه وسلم، آخر الأديان وخاتمها، كما قال تعالى: «ما كان محمد أبا أحد من رجالكم ولكن رسول الله وخاتم النبيين» «سورة الأحزاب: آية 40»، ولكونه عليه الصلاة والسلام خاتم النبيين فإن الدين الذى جاء به هو خلاصة الأديان، الشامل لعموم البشرية وعلى مختلف الأزمان، وهذه الحقيقة تدعونا إلى التفكير فى السؤالين التاليين: لماذا اختار الله سبحانه وتعالى أن ينزل الإسلام فى مكة المكرمة فى جزيرة العرب؟ ولماذا قدر الله سبحانه وتعالى أن يكون أول بيت لعبادته فى الأرض فى مكة المكرمة فى قلب جزيرة العرب أيضا؟ وبين الحدثين أزمان وعصور، تطاول عمر الإنسان فى الأرض! قطعًا ذلك ليس هذا مجرد مصادفة، فالله سبحانه وتعالى يقول: «وكل شىء عنده بمقدار» «سورة الرعد: آية 8»، ولعل الله سبحانه وتعالى أراد لرسالة الإسلام أن تكتمل حيث بدأت، والله سبحانه وتعالى أعلم".

 

وأضاف: "من المؤكد أن الدراسات الأثرية لعصور ما قبل التاريخ فى الجزيرة العربية انطلقت متأخرة، عما وجد من خلال الأبحاث الأثرية فى شرق أفريقيا ومناطق أخرى من العالم، وهى فى المملكة العربية السعودية حديثة نسبيًّا، وعلى الرغم من ذلك، فإن نتائج الأبحاث والمسوحات الأثرية التى قام ويقوم بها قطاع الآثار والمتاحف فى الهيئة العامة للسياحة والتراث الوطنى فى المملكة، بالتعاون مع خبراء محليين ودوليين، ومؤسسات وجامعات علمية مرموقة على المستويين الدولى والمحلى، تشير إلى وجود استيطان حضارى بشرى فى مواقع عدة فى المملكة العربية السعودية، ويعود تاريخ بعضها إلى فترة العصر الحجرى القديم، وهناك مواقع عدة حول مكة المكرمة من فترة العصر الحجرى القديم، والعصر الحجرى الحديث بفتراته المتعددة، تغطى الفترة الزمنية الممتدة من 350 ألف سنة قبل الوقت الحاضر، نزولاً إلى سبعة آلاف سنة قبل زمننا هذا، وعليه فإن الجزيرة العربية بجميع مناطقها: شمالا وجنوبا وشرقا وغربا، ووسطا، لم تكن يوما ما من الأيام خاوية الحياة أو خالية من السكان، بل إنها إحدى أقدم مناطق الاستيطان البشرى فى العالم القديم، وذلك بشهادة الأدلة الأثرية المستكشفة حتى الآن".

 

آثار المملكة السعودية
آثار المملكة العربية السعودية

وأوضح: "إن علم الآثار علم متجدد بما يكتشف من مكوناته، ولذلك نلحظ فى الآونة الأخيرة، أن علماء الآثار والمختصين فى دراسات علم الإنسان من جميع أنحاء العالم، يركزون فى أبحاثهم على الجزيرة العربية، وقد قاد هذا التوجه علماء آثار معروفون من أوروبا وأمريكا وعلماء من المملكة العربية السعودية ودول الخليج والدول العربية الأخرى إلى دراسة معابر الهجرات الأولى للإنسان القديم عبر الجزيرة العربية قبل انتشاره فى بقية أنحاء العالم، وكان للعثور على أدلة أثرية تؤكد هذه الحركة المبكرة فى تاريخ الإنسان فى المملكة العربية السعودية، وعدد من دول الخليج العربى واليمن، أثر كبير فى تحويل قضية عبور الإنسان وانتشاره من فرضية نظرية إلى حقيقة علمية".

 

وقال سلطان بن سلمان: "من جانب آخر، فإن البعثات الأثرية المشتركة «السعودية، الدولية» العاملة مع الهيئة العامة للسياحة والتراث الوطنى فى المملكة العربية السعودية، وبالتعاون مع عدد من المؤسسات العلمية والبحثية السعودية ومنها: شركة أرامكو، وهيئة المساحة الجيولوجية، والجامعات السعودية، فى إطار برنامج الجزيرة العربية الخضراء مع جامعة أكسفورد المرموقة، أثبتت بالأدلة الأثرية والبالينتولوجية أن الجزيرة العربية كانت مروجا وأنهارا، وأنها شهدت فترات عدة من التصحر والمناخ الرطب، وأنها كانت غنية بالأنهار والبحيرات والحياة الحيوانية والبشرية قبل التصحر الأخير الذى يعود إلى عشرة آلاف سنة قبل الوقت الحاضر، وهذه النتائج الأثرية أصبحت الآن حقائق معترفا بها لدى علماء الآثار والمناخ القديم فى جميع أنحاء العالم، مصداقا لحديثه، صلى الله عليه وسلم، «لا تقوم الساعة حتى يكثر المال ويفيض، حتى يخرج الرجل بزكاة ماله فلا يجد أحدا يقبلها منه، وحتى تعود أرض العرب مروجا وأنهارا»، رواه مسلم. كما أنه وبعد دراسة معابر الهجرات الأولى، نشرت مؤخرا دراسة قام بها مجموعة من الباحثين من كلية ويل كورنيل الطبية فى جامعة كورنيل بنيويورك بالولايات المتحدة الأمريكية «Well Cornell Midicine College-CORNELL University New York»، والتى أجريت على جينات السكان الأصليين للجزيرة العربية، أثبتت أن السكان الأصليين لقارتى أوروبا وآسيا استوطنوا فى الجزيرة العربية قبل أن ينتقلوا منها، وأنهم منحدرون من سكان الجزيرة العربية".

 

وأكد بن سلمان: "قد شملت الدراسات العلمية الحديثة ضمن برنامج الجزيرة العربية الخضراء، العديد من المواقع الأثرية فى المملكة ومواقع البحيرات القديمة فى صحراء النفود شمال المملكة وصحراء الربع الخالى جنوبها، إلى جانب مواقع أخرى ارتبطت بوجود الإنسان خلال فترة ما قبل التاريخ. وأفادتنا الدراسات الأثرية والبيئية المعمقة عن احتمالية انتشار وانحسار المجموعات البشرية والحيوانية، وهدفت تلك الدراسات، المستمرة، إلى التقصى عن كيفية ارتباط هذه الأحداث مع تعاقب فترات الرطوبة والجفاف فى العصرين البليستوسينى والهولوسينى حتى وقتنا الحاضر، وكيفية تكيف تلك المجموعات البشرية والحيوانية مع مجمل هذه التغيرات، ودلت آخر الدراسات الميدانية التى قام بها برنامج الجزيرة العربية الخضراء على أن الجزيرة العربية كانت خضراء لفترات عدة فى التاريخ، حيث تم اكتشاف آثار تعود إلى 350 ألف عام، وبلغ عدد البحيرات الجافة التى تم رصدها حتى الآن فى مختلف مناطق المملكة من قبل العلماء المختصين «10.000» بحيرة".

العاهل السعودى سلطان بن سلمان
العاهل السعودى وسلطان بن سلمان

 

وقال الأمير السعودى: "بالإضافة إلى ذلك، فإن المتأمل فى التاريخ الحضارى للجزيرة العربية، يدرك أن مسار هذا التاريخ بنى على تتابع الرسالات السماوية لتحقيق توحيد الله بالعبادة وما كان فى ذلك من صراعات بين الرسل وأقوامهم، منذ أن وضع الله بيته الأول على أرض الجزيرة العربية فى مكة المكرمة، ومرورًا بالأمم البائدة «عاد وثمود» التى عاشت فى الجزيرة العربية وورد ذكرها فى القرآن الكريم، وانتهاء بالإسلام- رسالته الخالدة، فى المكان نفسه، وكل ما كان بين هذا وذاك- والله أعلم- كما فى اعتقادنا، تهيئة وتحضير لاستقبال أعظم حدث شهدته الجزيرة العربية فى تاريخها، وهو نزول القرآن الكريم على آخر الأنبياء محمد، صلى الله عليه وسلم، وتكليفه، صلى الله عليه وسلم، برسالة الإسلام إلى الناس كافة، وأن ما قام به أبو الأنبياء إبراهيم، عليه السلام، وتتابع الرسالات السماوية والأديان التى جاءت بعده فى منطقة الشرق الأدنى ما هى إلا تجديد لعقيدة التوحيد، وتمهيد مبكر لبزوغ شمس الإسلام من أرض الجزيرة العربية، وإن كان الفارق الزمنى بين إبراهيم، عليه السلام، ومحمد، صلى الله عليه وسلم، يناهز أربعة وعشرين قرنا، فخلال تلك الفترة ظهرت الممالك العربية على أرض الجزيرة العربية: المبكرة «دلمون ومدين، وأدوم، وقيدار» والمتوسطة «سبأ، ولحيان، ومعين، والجرهاء، وكندة الأولى، والأنباط» والمتأخرة «الغساسنة، والمناذرة، وكندة الثانية»، وتشكلت المقومات الرئيسة لاقتصاد الجزيرة العربية الذى اعتمد على التجارة عبر منظومة من طرق التجارة «جنوبا وشمالا وشرقا وغربا» وطرق الحج، مستفيدا من الموقع الجغرافى المتميز للجزيرة العربية. بوصفها نقطة التقاء لحضارات شرق العالم القديم وغربه".

 

وأوضح: "أن نشوء هذه الممالك والحضارات، والحراك الإنسانى والاقتصادى والثقافى والسياسى المصاحب لها، والقوى التى نشأت لتؤمن وتحمى وتشارك فى حركة التجارة الدولية، هيأت، فى اعتقادى، شعوب الجزيرة العربية ثقافيا واقتصاديا وعسكريا وسياسيا لحمل الأمانة الكبرى، وهى تسلم رسالة الإسلام ونشرها".

تاريخ السعودية
جانب من أعمال هيئة الآثار بالسعودية للكشف عن أول استئناس للخيل العربى

وقال بن سلمان: كما شكل تطور اللغة العربية المتفوقة التى نزل بها القرآن الكريم، ونضوج أساليبها وصيغها، وامتلاك العرب ناصية البيان فى لغتهم، التى بلغوا فيها قمة الفصاحة والبلاغة خطوة رئيسة فى مسار التهيئة، فلقد نزل القرآن الكريم فى فترة تاريخية يعتز فيها شعب الجزيرة العربية ويفاخر بلغته المتفوقة، وبرزت ملامح ذلك التفوق فى الخطابة، وشعر المعلقات، الذى أمنت له مواسم الحج، وأسواق العرب وأهمها عكاظ- الذائع الصيت والانتشار- فأصبحت اللغة العربية جاذبة لأن يتعلمها ويتداولها الناس، ولتنتقل مع قوافل الحج والتجارة إلى اصقاع المعمورة مما ساهم، والله أعلم، فى تهيئتهم لاستقبال وفهم لغة القرآن الراقية لحظة نزوله على النبى الأمى، ولتتحقق بذلك معجزة القرآن الذى تحدى العرب بالرغم من تفوقهم اللغوى أن يأتوا بمثله، إذ قال تعالى فى محكم كتابه: (قل لئن اجتمعت الإنس والجن على أن يأتوا بمثل هذا القرءان لا يأتون بمثله ولو كان بعضهم لبعض ظهيراً) «سورة الإسراء: 88»".

 

وتابع: "كما تطور الخط العربى من خلاصة أقلام عدة، كتب بها العرب طوال ألفى سنة قبل الإسلام، ليكون الخط العربى قادراً على تدوين القرآن عند نزوله، ودليل ذلك أن أول آية نزلت فى القرآن الكريم تدعو إلى القراءة والكتابة إذ قال تعالى فى محكم كتابه: (اقرأ باسم ربك الذى خلق «1» خلق الإنسان من علق «2» اقرأ وربك الأكرم «3» الذى علم بالقلم «4» علم الإنسان ما لم يعلم «5») «سورة العلق»".

 

وأوضح الأمير السعودى: "كما أن دعوة إبراهيم عليه السلام لربه بتوفير الأمن والرخاء لسكان المكان الذى بنيت فيه الكعبة المشرفة، ونزل فيه القرآن الكريم، لم تكون خاصة بمكة المكرمة وحدها فى غالب الظن- والله أعلم- وإنما شملت كامل الجزيرة العربية وما حولها كوحدة جغرافية وبشرية سخرها الله لخدمة الحرمين الشريفين واستقبال الإسلام والانطلاق به إلى أرجاء الدنيا، ولم تكون مقصورة على عصره، بل ممتدة إلى أن يرث الله الأرض ومن عليها، قال تعالى فى محكم كتابه وعلى لسان نبيه إبراهيم عليه السلام: (ربنا إنى أسكنت من ذريتى بواد غير ذى زرع عند بيتك المحرم ربنا ليقيموا الصلاة فاجعل أفئدة من الناس تهوى إليهم وارزقهم من الثمرات لعلهم يشكرون) «سورة إبراهيم»".

قطع آثرية تؤكد عراقة المملكة
أعمال التنقيب عن الآثار وقطع آثرية تؤكد عراقة المملكة

 

وأضاف: "لذلك فإن دعوة إبراهيم عليه السلام ربطت الصلاة «التى هى عماد الدين»، وما يشمل ذلك من عبادات وقيم أخلاقية وإنسانية سامية أتى بها دين الإسلام، بالخير والازدهار والاستقرار والرفعة فى الجزيرة العربية، وأن التزام شعوب هذه الأرض المباركة بذلك هو من باب إجابة الله دعوة خليله إبراهيم عليه السلام ومن باب شكره تعالى على نعمه، قال تعالى فى محكم كتابه: (لعلهم يشكرون «37») «سورة إبراهيم»، وهو أساس لاستمرار نعم الله عليهم من خير ورفعة وأمن، إذا آمنوا بالله وأخلصوا دينهم لله، قال تعالى فى محكم كتابه: (الذين آمنوا ولم يلبسوا إيمانهم بظلم أولئك لهم الأمن وهم مهتدون) «سورة الأنعام: 82»".

 

واستطرد: "لقد جعل بناء الكعبة أفئدة الناس تتجه إلى جزيرة العرب وقلبها مكة المكرمة للحج مصحوباً بالتجارة، وتبع ذلك النشاط المنظم لرحلة الشتاء  والصيف، والنشاط الاقتصادى والثقافى لسوق عكاظ «570-747م»، وغيره من أسواق العرب قبل الإسلام وبعده، والتداول السياسى بين قريش ومحيط الجزيرة العربية فأصبحت الجزيرة العربية عبر مراحل تاريخها مهيأة اقتصادياً وسياسياً وحضارياً وثقافياً لنزول القرآن الكريم وبزوغ شمس الإسلام، فى لحظة تاريخية مقدرة وصلت فيها تلك المعطيات ذروتها فى مكة المكرمة وأصبح المجتمع البشرى فى الجزيرة العربية فى كامل رشده ونضوج فكره فى مطلع القرن السابع الميلادى".

 

وأشار إلى أن الرسول الأمين محمد صلى الله عليه وسلم بعد نزول الإسلام، باشر توحيد قبائل الجزيرة العربية لتساهم فى حمل راية الإسلام إلى بقية شعوب الأرض وهى أو وحدة شهدتها الجزيرة العربية فى تاريخها حيث بادرت قبائل العرب إلى لإسلام، وأقبلت الوفود إلى النبى- صلى الله عليه وسلم- من كل حدب وصوب، كما قال الله تعالى فى كتابه الكريم: (ورأيت الناس يدخلون فى دين الله أفواجاً) «سورة النصر: آية 2»، ومنها وفد: بنو عبدالقيس «من شرق الجزيرة العربية» ووفد نجران ووفد بنى حنيفة وبنى تميم وبنى عامر «من نجد»، والحميريين والمراديين من أهل اليمن، وطىء من بلاد الجبلين، وجذام من شمال غرب الجزيرة، وثقيف من الطائف، وغيرهم كثير، وخلف تلك الوفود ألوف مؤلفة، ممن أسلموا بإسلام قادتهم من قادة العرب، وتعامل الرسول صلى الله عليه وسلم مع وفود القبائل بمختلف مداركهم، وعاداتهم وتقاليدهم، بما تقتضيه أصول الضيافة والترحاب لدى العرب، وعرفهم بأحكام الدين وشرائعه، فكانت هدايتهم هداية لمن وراءهم من قبائل العرب.

نقش اثرى قديم
نقش أثرى قديم

وأضاف: "فنهض شعب الجزيرة العربية لمساندة نبى الأمة لتوحيد أرجائها ونشر الرسالة، وتأسيس الدول الإسلامية الكبرى التى تعاقبت داخل الجزيرة العربية وخارجها وابرزها دولة الإسلام الأولى فى عهد الرسول صلى الله عليه وسلم وخلفائه الراشدين ثم الدولة الأموية والعباسية وما تلى ذلك من دول، غير أن الجزيرة العربية شهدت بعد ذلك نشأة العديد من الدويلات والإمارات الصغيرة، وعاشت حالة من التشتت السياسى والاجتماعى، حتى قامت الدولة السعودية المباركة فى منتصف القرن الثانى عشر الهجرى «18م» بتوحيد أجزاء كبيرة منها سياسيا وجغرافياً واجتماعياً، وبناء كيان راسخ أساسه الإسلام وخدمه المسلمين، وترسيخ القيم العربية والإسلامية السامية، والعناية بالواقع التاريخية والتراثية فى بلادنا وأهمية إعادة الاعتبار لعلاقتنا مع تاريخ المكان الذى يعيش فيه الإنسان، وتحقيق الأمن والاستقرار والازدهار، والعمل للمساهمة فى مستقبل الإنسانية جمعاء، وربطت العزة والخير بخدمة الحرمين الشريفين وإعلاء كلمة الإسلام شعاراً وقيماً ومنهاجاً لها، وقد تمسك بذلك أئمة الدولة السعودية وملوكها ومواطنوها طوال تاريخها الذى امتد لقرابة ثلاثمائة عام وحتى هذا اليوم ولله الحمد، ولقد أكد ذلك المبدأ الراسخ الملك المؤسس عبدالعزيز- يرحمه الله- وجميع أبنائه ملوك الدولة من بعده بدون استثناء، مؤكدين أن خدمة الحرمين الشريفين والإسلام والمسلمين فى أعلى مراتب رسالة الدولة، ومهمتها الأولى، وأن وحدة الجزيرة العربية ورسالة أهلها- والدولة التى جمع الله فيها شملهم قد قامت على تلك المبادئ الراسخة، وأن استمرارها وازدهارها مربوط بتمسك أهلها بهذه المبادئ والقيم فهى ليست وحدة سياسية وجغرافية فقط بل هى وحدة قلوب على أرض شكلت قلب الإسلام وقبلة المسلمين".

 

وأنهى بن سلمان محاضرته قائلا: "هكذا، فإن السجل الحضارى للجزيرة العربية يعطى احتمالية أن الإنسان بدأ من أرض الجزيرة العربية، لأن الله تعالى اختارها لتكون حاضنة لبيته العتيق، ولرسالته الخاتمة للبشرية جمعاء، واختار أراضيها مهابط لنزول القرآن الكريم الذى أنزله الله هدى للناس أجمعين، ولا شك أن مستقبل الدراسات الأثرية الميدانية فى الجزيرة العربية، وعلى وجه الخصوص فى المملكة العربية السعودية التى تشكل ثلثى مساحتها، كفيل بالإجابة على التساؤل الكبير الذى يطرحه كثير من الناس، وهو: هل حياة الإنسان بدأت فى شرق أفريقيا وفقاً للمكتشفات الأثرية وما يقوله علماء الآثار، ولماذا؟ لقد أتى هذا البحث من منطلق أن الإسلام الذى جاء ليؤكد ويجدد التوحيد لله تعالى، وأنه دين البشرية وخاتم الأديان، وأن الله اختار أرض الجزيرة العربية وشعبها لحمل هذه الرسالة السامية، وأن التعاقب الحضارى والبشرى والاقتصادى الكثيف فى هذه الأرض المباركة عبر التاريخ يدل على حراك مستمر لتهيئة المكان والإنسان لحمل هذه الرسالة السامية إلى العالم. وإذ إطرح هذه الورقة كمشاهد مسلم- وليس كعالم آثار زو تاريخ- مستنيراً بهداية الله تعالى، فإنما هى محاولة لقراءة أكثر شمولية لأهم قضية تمس إنسان الجزيرة العربية والمسلمين كافة، فمن المهم فى هذا العصر، الذى يتعايش فيه المسلمون مع الحضارات الأخرى، أننعيد التفكير فيمن نحن فيه وما هو دورنا الريادى البناء فى الحراك الإنسانى المستقبلى للأمم والحضارات، منطلقين من قراءة جديدة لتاريخ الديانة الربانية الذى بدأ- والله أعلم- منذ خلق الله البشرية وأن كل ما حدث منذ ذلك الوقت الذى لا يعلمه إلا الله، كان تسلسلاً مقدراً أدى إلى بزوغ شمس الهداية من مكة المكرمة، فى أرض الجزيرة العربية، وعلى يد نبى عربى من خيرة أهلها، فى فترة زمنية مهمة كانت فيها مكة المكرمة محوراً استراتيجياً حضارياً وسياسياً واقتصادياً وثقافياً، وملتقى للقوافل التى جاءت للحج والتجارة: والتى قلت فى ما سلف، أنها وفرت وسيلة تواصل عالمية أشبه ما تكون بالشبكة العنكبوتية «الإنترنت» اليوم مما شكل كياناً ذا قوة سياسية واقتصادية متنامية، وساعد على انتقال رسالة الإسلام، وساعد على انتقال رسالة الإسلام، وهدى القران بلغته العربية الراقية التى تطورت عبر آلاف السنين حتى نزل بها القرآن الكريم إلى أرجاء المعمورة، كل ذلك يؤكد أن الإسلام لم ينشأ من أرض مفرغة من الحضارة أو المعرفة أو القيم الأخلاقية العربية الأصيلة مصداقاً لقوله صلى الله عليه وسلم «إنما بعثت لأتمم مكارم الأخلاق»".

 

ولـ"سلطان بن سلمان بن عبد العزيز"، مسيرة حافلة بالعطاء، كللتها نجاحات على الصعيد العلمى والمهنى، وهو الشقيق الأكبر لولى العهد السعودى محمد بن سلمان، والابن الثانى الأكبر لخادم الحرمين الشريفين والعاهل السعودى سلمان بن عبدالعزيز آل سعود، ووالدته هى الأميرة سلطانة بنت تركى بن أحمد السديرى، وهو أول رائد فضاء عربى، وأول رائد فضاء مسلم.

 

وولد الأمير سلطان بن سلمان فى 27 يونيو 1956، وبالإضافة إلى مؤهلات الطيران التى حاز عليها فى بداية مشواره المهنى، يحمل الأمير السعودى درجة الماجستير فى العلوم الاجتماعية والسياسية من جامعة سيراكيوز فى الولايات المتحدة الأمريكية 1999 بعنوان "التحول القبلى والبناء الوطنى فى التجربة السعودية.





لا توجد تعليقات على الخبر
اضف تعليق

تم أضافة تعليقك سوف يظهر بعد المراجعة



مشاركتك بالتعليق تعنى أنك قرأت بروتوكول نشر التعليقات على اليوم السابع، وأنك تتحمل المسئولية الأدبية والقانونية عن نشر هذا التعليق بروتوكول نشر التعليقات من اليوم السابع
الرجوع الى أعلى الصفحة