خالد صلاح

سهيلة فوزى

صورة محمود عبد العزيز

الخميس، 17 نوفمبر 2016 10:00 م





إضافة تعليق

أتى المساء حاملاً معه الخبر.. محمود عبد العزيز مات، لتمر بالذاكرة سريعًا، ذكرى مع كل دور شاهدته فيه، أتوجه للجريدة صباحًا، وأنا أعرف السيناريو المعتاد فى مثل هذه الظروف.. ملف صحفى عن الفنان الراحل، وأتوقع غالبًا أن أتولى أنا إخراجه الفنى.
قبل أن تتساءل عزيزى القارئ ماذا يعنى الإخراج فى جريدة مطبوعة، بعد أن اعتاد الجميع ارتباط الإخراج بالتليفزيون أو السينما، دعنى أوضح لك سريعًا ماذا يعنى أن تكون مخرجًا صحفيًا.
أتذكر الآن -بعد التحاقى بالعمل- محاولاتى المتكررة التى استمرت لسنوات فى شرح طبيعة عملى لأصدقائى وجيرانى وأهلى فى البلد، ومحاولات تفسير كيف أعمل فى الصحافة ولا أكتب ولا ينشر اسمى على موضوعات مثل بقية الخلق، أشرح واستفيض فى الشرح أن الإخراج يعنى أن أحدد الشكل الذى يرى فيه القارئ الصحيفة يوميًا، أحدد شكل العناوين وحجمها والصور المصاحبة للموضوع وحجمها، وكثيرًا ما تنتهى محاولاتى بتوضيح طبيعة عملى بالفشل، لكنى أتذكر جيدًا سعادتى ما أن تلتقط أمى طرف الحديث، وتستفيض هى فى شرح عملى لأقاربنا، وأنى لا أكتب موضوعات، ولكن أرسم الأخبار دون إضافة أية تفاصيل، وتنهى حديثها بالقول الفصل اسمها -تقصدنى أنا- فى الترويسة، ولأن كلمة ترويسة غريبة على مسمع عائلة لم يدخل أى من أبنائها عالم الصحافة من قبل، فتعلو الوجوه علامات الاستفهام عن معنى الترويسة، وقبل أن تنطق ألسنتهم بالسؤال، تستفيض أمى موضحة: مديرى الجورنال والصحفيين الكبار اسمهم فيها، وهى معاهم  -هى دى تبقى أنا-، سعادة وفخر تملأ صوتها، تنتقل بطبيعة الحال إلى المستمعين. 
أكثر ما ضايق أمى دون أن تفصح عنه فى بداية عملى بالإخراج أنها لن ترى اسمى فى الجورنال وكان المتبع وقتها أن أسماء المخرجين لا تكتب فى الصحف، ولكن "اليوم السابع" خالفت المتبع مع صدور العدد الأول، فكان طاقم الإخراج الفنى بالكامل يزين ترويسة الجريدة، إلى جانب كبار قيادات الصحيفة الجديدة، استمرت بعدها أمى لسنوات تفتح الجريدة فقط لتطمئن أن اسمى هناك كان فى آخر القائمة كنت أصغر من فيها سنا وخبرة، كنت حديثة التخرج لم يمر عام على مغادرتى أسوار جامعة القاهرة وسلالم كلية الإعلام، ولم أكن أتخيل أن يوافق أستاذ خالد صلاح -رئيس التحرير- على وضع اسم صحفية حديثة التخرج فى ترويسة الجريدة، لم أشكره من قبل بشكل مباشر على هذا، اكتفيت وقتها أن شكره زملائى الأكبر سنًا بالنيابة عنا جميعا، وبعد ما يزيد على ثمانية سنوات أشكره مجددًا لأن ما فعلته "اليوم السابع" أصبح تقليدًا فى كثير من الصحف الخاصة بعدها، فأنصف الإخراج الصحفى .
اختيار الصورة أهم أولويات المخرج دائمًا، أن تكون مخرجًا صحفيًا يعنى أن تتورط فى تقليب عشرات الصور لاختيار الأفضل.. تبحث عن آثار دماء الأطفال أو بقايا أمتعتهم أو جثث حملتها سيارات الإسعاف، تبحث عن لوعة أم فقدت طفلها أو طفلتها داخل أتوبيس الموت الذى سحقه قطار أسيوط. 
أن تملأ عينيك دموع أمهات شهداء الألتراس أمام المشرحة، أو آباء يشيعون جثامين أبنائهم إلى مثواهم الأخير، وقلوبهم تنزف دمًا على فراق من تمنوا أن يكونوا سندًا لهم فى أيام ظنوا أنها ما زالت بعيدة، اختطفهم الموت مبكرًا، وتركهم لحسرة الفراق.
 أن تكون مخرجًا صحفيًا، فعليك أن تقلب بدم بارد فى صور الحرب على غزة لتنتقى الصورة الأكثر قسوة، الأكثر إيلامًا لأى نفس بشرية سوية.. غزة تحترق والشهداء بالعشرات كل يوم، فتختار صورة شهيد مسجى على الأرض، تودعه زوجته وهى تحمل رضيعهما بصرخة قهر فقدان الزوج ووالد طفلها، وكلمة غزة تقطر دمًا أعلى جثمان الشهيد.
 أن تكون مخرجًا فأنت مضطر للبحث عن صورة تحمل دموع مى نور الشريف، وهى تتصدر سرادق عزاء والدها، حتى لا تشعر بالتقصير فى حقه لأنه لم ينجب ولدًا، أن تقلب فى صور الفنان الراحل لتختار صورة تختصر مشواره الفنى الطويل، صورة تعبر عن روحه، اخترته يومها باسما كما اخترت صورة الأبنودى ضاحكًا أيضًا، رحمة الله عليهما.
 
 أن تكون مخرجا فأنت تتحمل مسئولية اختيار صورة تشيع الجريدة بها فاتن حمامة إلى مثواها الأخير، ومن بعدها صورة أمير القلوب عمر الشريف الذى لم يحتمل البقاء فى عالم لا يحمل أنفاسها.
 
هل لدينا صورة جيدة له؟.. سؤال يشغلنى فى طريقى إلى الجريدة.
هل لدينا صورة تختصر شخصيته المرحة.. هل فى الأرشيف صورة تختصر شخصيته الصاخبة.. أقلب الأن فى صور تحمل أعماله، وذكرياته، وأقلب معها ذكريات أدواره التى عشت معها طويلا.. هل أجد تلك الصورة التى يمكن أن تختصر مشاعر الامتنان لكل ما قدمه لنا؟.. هل أجد تلك الصورة التى تحمل إعجابى، وحبى لفنان كنت أرى أنه كل ما يكبر يحلى .. يحلى فنًا وإبداعًا وإشراقًا.
أى صورة تلك يمكن أن تختصر لهفة سعاد حسنى، ولهفتى معها، وهى تدور حوله، وتتمايل بكلمات صلاح جاهين: حبيبى أنت يا فيلسوف.. يا أبو نضارات عينهم منى.. مقدرش أحبك يادى الكسوف غير لما قبل تعلمنى.. اعتاد التليفزيون المصرى أن يكتفى بعرض الأغنية فى الفواصل بين البرامج ولا يعرض الفيلم كاملاً، فاعتدت أن استمتع بالأغنية ولا أنتظر أن أرى الفيلم كاملا، وترتبط الأغنية عندى بمقارنة عقدتها لسنوات طويلة بين "الفيلسوف" محمود عبد العزيز و"الواد التقيل" حسين فهمى، مالت الكفة طويلاً لصالح حسين فهمى، بعدها بسنوات استقرت بشكل نهائى ناحية محمود عبد العزيز.
ما زلت أقلب فى أرشيف الصور.. صورة تجمعه بالمؤلف والمنتج المسرحى الفنان سمير خفاجى يقبل الساحر رأسه امتنانا له وبما قدمه للفن، وفى صورة أخرى يقبل الكاتب الصحفى أكرم السعدنى رأس الساحر.. ما زال البحث جاريًا عن صورة تختصر روحه.
 
أى صورة تلك يمكن أن تختصر روح رأفت الهجان.. كلما شاهدت المسلسل، أشعر أن محمود عبد العزيز يمثل بقلبه، فإذا كان صالح مرسى -مؤلف العمل- قد وضع على لسانه كلمات الحوار، لكن عينيه حملت أضعاف من المشاعر، نبرة صوته عبرت عن اشتياقه، ولهفته إلى سماعه الضابط المكلف بتدريبه يناديه باسمه رأفت، ولا أعتقد أن أحدًا كان قادرًا على تقديم الدور ببراعة وإحساس محمود عبد العزيز، حتى لو كان الزعيم . 
هل كان يبكى؟.. نعم آثار الدموع ما زالت واضحة فى عينيه.. صورة يحتضن فيها محمود عبد العزيز الفنان الراحل أحمد زكى، هل كان مرض النجم الأسمر وحالته الصحية المتدهورة سببًا لدموع الساحر، لا أعرف مناسبة الصورة، ولكن يكفى ما فيها من محبة صادقة، صورة أخرى يبكى متأثرًا فى عزاء أحد الفنانين.. هل كانت دموعه قريبة؟ أم أنه يؤمن أن الدموع تطفئ نيران الألم؟
 يعلم البعض عنه أنه أغلق على نفسه حجرته، وبكى طويلا بعد وفاة بعض أصدقائه المقربين مثل عاطف الطيب ورضوان الكاشف ونجاح الموجى وسعاد حسنى.
أى صورة تلك يمكن أن تختصر الشيخ حسنى بحضوره الطاغى الساخر، أدرك أنه لا يجوز الخلط بين إبداع النص والحوار بالطبع الذى نسجه داوود عبد السيد مستوحى من قصة المبدع إبراهيم أصلان مالك الحزين، وبين إبداع الأداء، فإن كان النص بديعًا كالذهب الخالص فإنه يحتاج قالبًا مناسبًا يتشكل فيه، فيبهر المشاهد بصنعته، فكان القالب أداء الساحر محمود عبد العزيز، من ينسى الشيخ حسنى راكبًا الفيسبا.. طائحًا فى خلق الله حتى استقر تحت أقفاص الفراخ، صارخًا أنا عميت.. أنا عميت وكأنه لم يكن أعمى قبلها. 
أرشيف الجريدة عامر بصوره مع أبنائه، يلتفون حوله ضاحكين تعلو وجوههم ابتسامة فخر ورضا معلنة: نحن أبناء هذا الساحر.. ابتسامة اختفت فى صورة أخرى لتظهر بدلاً منها دموع محمد محمود عبد العزيز، وهو يتسلم درع تكريم مؤسسة الأهرام لوالده، كان ما زال مريضًا فطلب من الجميع أن يدعوا له بالشفاء، تماسك على المنصة، ثم انسابت دموعه بعدها، وقتها أدرك الجميع أن حالة الساحر الصحية أسوأ مما تصورنا.
أى صورة تلك يمكن أن تختصر ذكرى أول مرة طلبت فيها من أبى أن نركب الأتوبيس النهرى، بعد أن شاهدنا فيلم السهرة نهر الخوف، أغلب أحداث الفيلم تدور داخل الأتوبيس، والخوف يسيطر على الجميع، وأولهم عبد الرحمن "محمود عبد العزيز"، استجاب أبى وركبنا الأتوبيس النهرى لتكون أول وآخر مرة، لأن أتوبيس آخر تعطل -الغريب أن أنه تعطل أيضًا بالفيلم ولم يثنينى ذلك عن طلبى- وتم نقل ركابه إلى الأتوبيس الذى نركبه، بلوح خشبى تمدد بين الأتوبيسين فى النهر، أتذكر قلبى المرتجف أثناء عبور الناس، وأنا أتخيل أحدهم يسقط، وأنا لا أعرف العوم بل أغرق فى شبر ماية، فإذا كان كل الركاب لا يجيدون السباحة مثلى، ماذا سيكون مصير من سقط إلا الموت؟
 أفكار لم أفيق منها إلا بعد أن وصلنا البر، وكان عهدًا بعدها ألا أفكر فى ركوب الأتوبيس النهرى مرة ثانية، وقد كان. 
أى صورة تلك يمكن أن تختصر.. هيبة أبو هيبة فى "جبل الحلال" .. ووطنية "ليفى" فى رأفت الهجان.. وكوميديا سمير فى "الشقة من حق الزوجة" وسخرية "الشيخ حسنى" فى الكيت كات.. ومزاجية مزاجنجى فى "الكيف" .. وارتباك عبد الرحمن فى "نهر الخوف".. ومكر شيخون فى "إبراهيم الأبيض".. وإبداع محمود عبد العزيز فى الساحر.
 
أى صورة يمكن أن تختصر الجملة التى طالما رددتها زوجته الإعلامية بوسى شلبى له حتى قبل زواجهما "أنت فارس أحلامى الأوحد".. وقد ظل فارسًا للأحلام حتى بعد السبعين.. رحمة الله عليه. 
 

إضافة تعليق



لا توجد تعليقات على الخبر
اضف تعليق

تم أضافة تعليقك سوف يظهر بعد المراجعة



مشاركتك بالتعليق تعنى أنك قرأت بروتوكول نشر التعليقات على اليوم السابع، وأنك تتحمل المسئولية الأدبية والقانونية عن نشر هذا التعليق بروتوكول نشر التعليقات من اليوم السابع
الرجوع الى أعلى الصفحة