خالد صلاح

محمد إسماعيل سلامة يكتب: عصفور

الإثنين، 04 مارس 2013 03:39 م
محمد إسماعيل سلامة يكتب: عصفور صورة أرشيفية


أراقبهُ كل صباح، يتهادى إليها، وتتهادى إليه، فيطوفان فى دوائر صغيرة، حول أسلاك الكهرباء، دوائرٌ تحمل فى داخلها أبلغ معانى الأُلفه، والأُنس .. والحُب، دوائر صغيرة حول سلك، كذا الموتور، وكأن هذا العصفور .. يشحن طاقة الأمل، طاقة الحرية، طاقة الإبداع، ويملؤ قلبه بعبق الصباح الباكر، وتغريد رفيقته .. لينطلق بعدها .. يسابق الريح .. مُغرّدا، فرِحاً، يُلملمُ رزقَه، ذاك الذى بحجم كف اليد .. لكنه غلب دنيا البشر وما فيها .. وغلب ذلك الآدمى المهزوم، ضعيف البصر، الذى يراقبه كل صباح .. وفى يده فنجان القهوه ربما العشرين .. وسيجارة من أردأ أنواع السجائر .. بعد ليلة طويلة لم يغض له فيها جفن، فلم يستطع أن يكمل ولو دائرة واحدة فى حياته .. فقط .. إستطاع أن يعوج ظهره فى عمر الثلاثين .. شائبا قبل المشيب .. ويكتب شعرا ً لا يقرؤه أحد .. ويقرأ كتبا باللغة العربية التى لما يحترمها أصحابها اليوم ! ويغترب فى كل مكان سنوات وسنوات ليعود أسوأ مما كان .. يرتشف سُمّه، ودخانه .. وهمومه .. ويراقب .. هه !

عصفور .. نعم .. بحجم كف اليد .. لكنه لم يَحْتَجْ إلى سَتْر عَورته كالبشر .. لأنها لا تتدلّى منه .. ولا يَمُدّها إلى الشَّر أو الحَرَام، أو لها يعيش .. عصفور .. بيتُهُ .. كومَة قشٍّ على عامود نور صَدِء .. قد يذهب مع دلو ماء ٍقذر ترميه إحداهن من شرفتها .. أو يشعله " عقب سيجارة " يرميه أحدهم من شباكه ! أو يرمى به عامل الصيانة عند توصيله لأحد الكابلات .. كان له نصيب من كل ذلك فى السابق .. وكنت أراقبه ورفيقته .. كلما هُدم لهما عشا ً، دارا فى دوائر .. وصنعا غيره من جديد .. بلا كلل أو ملل .. فقط .. يغدوا كلا منهما ويروح وفى منقاره عود صغير من القش .. يتحدى به كل المصاعب .. معلنا به أنه سيظل .. يأبى إلا أن يعيش .. ويملؤ صدَره بعبق الحياة .. ويملؤ صَمتَها تغريدُه .

عصفور .. يؤكد الفيزيائيون " الغلابة " أنه لا تصعقه الكهرباء التى يقف على أسلاكها، لأنه لا يلمس الأرض ! ولا تكتمل الدائرة الكهربائية إلا إذا لمس الأرض .. لم يفهموا الواقع أبدا ً .. لم يفهموا أن ذلك المخلوق الذى يقف على أى شيء دون أن يتأذى أو يموت .. إنما هو كذلك، لا بسبب جسمه الصغير الذى لا يلمس الأرض .. وإنما بسبب روحه .. روحه التى هى ليست أرضية .. ولا تمت لأهل الأرض .. وشهواتهم .. وشرورهم .. بأى صلة !

عصفور .. هو أكثر الكائنات سفادا ً .. وغزلا ً لرفيقته .. وأقصرها عمرا ً.. لكنه يعيش عمرَه كله، بسعادة .. يغنى وقتما شاء .. وأينما شاء .. لا يحتاج إلى ورقه تثبت أنه حى، أو أخرى تثبت بها رفيقته أنه ميت !، لا يحتاج إلى ورقة ليعمل، أو يسافر، أو ليظهر بمظهر الحكيم العارف، لا يحتاج إلى فتاوى، ولا إلى شيوخ يحرمون ما أحل الله، ويحددون له السماء والأرض، أين يذهب، وكم متر يطير .. ولا يستقى معرفته بالوجود من شاشات ولا مربعات تصور له كل شيء على غير حقيقته، وتؤكد له أن السماء اليوم مغلقه، وأن الطريق مسدود، وأن الفضاء يضيق، والخطر يداهمه ورفيقته .. لا يحتاج إلى الخوف .. ليسكن، أو إلى الإندفاع والتهور ليسعى .. لا ينتمى إلى حزب، أو جماعه، أو فصيل، أو مجموعة من الطيور تحسب نفسها من ذات الريش الملون، والمميز عن البقية ! فيحق لها وحدها أن تحلق وأن تقود السِّرب وأن تجنى الرزق وتقسمه على هواها .. وأن تختار أولا .. أجمل الرفيقات !
عصفور .. فقط .. يعيش .. ويموت .. بسعادة ..



لا توجد تعليقات على الخبر
اضف تعليق

تم أضافة تعليقك سوف يظهر بعد المراجعة



مشاركتك بالتعليق تعنى أنك قرأت بروتوكول نشر التعليقات على اليوم السابع، وأنك تتحمل المسئولية الأدبية والقانونية عن نشر هذا التعليق بروتوكول نشر التعليقات من اليوم السابع
الرجوع الى أعلى الصفحة