ترصد عالم المثليين فى مصر

فصل من رواية "فى بلد الولاد" لمصطفى فتحى

الثلاثاء، 16 يونيو 2009 - 12:14 م

غلاف رواية "فى بلد الولاد" لمصطفى فتحى غلاف رواية "فى بلد الولاد" لمصطفى فتحى

الصحفى الشاب مصطفى فتحى عاش تجربة حقيقية لمدة أربعة أشهر مع "المثليين" كفكرة لملف صحفى يحرره لإحدى وكالات الأنباء العالمية، وبعد أن انتهت تجربته معهم استمر لمدة طويلة فى إعداد روايته "فى بلد الولاد" التى يرصد فيها عالم "المثليين" فى مصر وأماكن تجمعاتهم وطموحاتهم وأهدافهم، واليوم السابع ينشر فصلا من الرواية.

القاهرة - جاردن سيتى - أحد مراكز حقوق الإنسان وصلتنى على الفيس بوك دعوة لحضور ندوة فى أحد مراكز حقوق الإنسان، كان موضوع الندوة هو تقبل الآخر فى الثقافة العربية، وكان الموعد مناسبًا لى ولصديقى محمد فقررنا الحضور.
فى جاردن سيتى كان مقر المركز الذى ستعقد فيه الندوة، جلست مع محمد .. كان عدد الحضور معتبرا، كانت ورشة عمل أكثر منها ندوة، المحاضر كان شابا فى العقد الثالث من العمر .. بدأ الورشة بمقدمة أثبت فيها أن الثقافة المسيطرة على العقول العربية ترفض الآخر دائمًا ولا تتقبل من يختلف معها.
شعرت برغبة فى المشاركة .. رفعت يدى بخجل لكن نظرة المحاضر الذى كان اسمه حسام كانت مشجعة جدا:
- اتفضل .. بس يا ريت تعرفنا بنفسك الأول!
- أنا اسمى عصام.. حضرتك عمال تتكلم عن تقبل الآخر وأنا عايز أسألك سؤال: هتعمل إيه لو اكتشفت إن أقرب أصدقائك شاذ جنسيًا؟!
رمقنى الحضور بنظرات كالأسهم وشعرت بخجل شديد لكن إجابة حسام كانت رائعة:
- أولاً متقولش شاذ جنسيا لأنه مش شاذ هو طبيعى!! والأفضل نسميه مثلى وليس شاذا .. أحب أعرفك إن عندى أصدقاء كتير مثليين، وبحبهم وبحترمهم جدا، وبحترم كمان حريتهم الجنسية، مع العلم بأن فى منهم ناس من أهم الشخصيات فى المجتمع المصرى، أنا شخصيًا مبعتبرش المثلية مرض، وشايفها أمر عادى موجود فى كل المجتمعات، إحنا بس محتاجين نظرة جديدة لهذه الفئة، إيه المشكلة إن يكون عندى صديق مثلى؟ المثلية الجنسية مش عدوى ولا مرض قاتل!!
شجعتنى إجابته على مواصلة الحوار معه:
- كلام حضرتك جميل .. بس المثليين صعب يعلنوا عن نفسهم .. لأنهم هيتعرضوا لمضايقات كتير جدًا فى المجتمعات العربية .. ممكن توصل لحد القتل!
- ومين مبيتعرضش لمضايقات فى المجتمعات العربية؟ .. التيارات الدينية .. الأحزاب السياسية .. المدونين .. أى حد عنده فكر مختلف .. المجتمعات العربية نموذج متميز لرفض الآخر .. من خلال القمع .. التعذيب .. الرفض
- طب والحل؟
- أنا مش غاندى اللى حرر شبه الجزيرة الهندية من الاستعمار الإنجليزى، ولا مارتن لوثر كنج اللى كان السبب فى القضاء على كافة أشكال التمييز ضد السود فى أمريكا، يعنى باختصار الحل مش هقدر أحطه أنا .. ممكن نحطه أنا وأنت وغيرنا .. ثقافة تقبل الآخر لازم تكون موجودة فى المجتمع مهما كان الآخر ده مختلف عنى وعنك .. المثليين أمر واقع .. موجودين فى كل مكان .. ممكن أقرب الناس ليك يكون مثلى وإنت متعرفش .. ليه ممكن شخص يسيب أصحابه لمجرد إنهم مثليين .. ليه ممكن أب يقتل ابنه لمجرد إنه مثلى .. ليه الفئة دى تتعرض لنبذ وعنف وتجريح وإهانات؟ المفروض إننا كلنا بشر، واحترامى ليك مش بحدده بمدى اتفاقك أو اختلافك معايا، لكنى بحدده لأنك إنسان قبل كل شىء!

"إحنا مش جايين هنا نتكلم عن الشواذ".
صرخت إحدى المشاركات فى الندوة بغضب ..
أجابها حسام بهدوء: إحنا هنا عشان نتكلم عن الآخر .. والمثلى مجرد آخر لازم نتقبله!

تكلم أحدهم بغضب:
- يا أستاذ العالم كله بيرفض المثليين وإنت عايزنا نقبلهم؟
بهدوء أجاب حسام:
- الكلام ده مش صحيح، العالم المتقدم بيتجه فى الوقت الحالى لإقرار وثيقة دولية بتحمى حقوق المثليين فى العالم كله، من خلال مبادئ يوجياكارتا، وهى مبادىء بتجبر الجميع على تطبيق القانون الدولى لحقوق الإنسان فى الأمور المتعلقة بالميل الجنسى والهوية الجنسية. وبكرة مصر كنظام هتكون ملزمة باحترام الحرية الجنسية!

"دى قلة أدب" .. قالت إحدى المشاركات وخرجت من القاعة وسط همهمات الحضور، وبدأ أكثر من شخص يعترض على تقبل حسام للمثليين واختلطت الأصوات "ده ضد مبادئنا" .. "الكلام ده ضد عادتنا وتقاليدنا" .. "ده الغرب الكافر عايز ينشر ثقافته فى مجتمعاتنا" .. وصرخ أحد الحاضرين:
"دى أجندة محطوطة عشان تدمير شبابنا وحضرتك بتشارك فيها"..!!

تعامل حسام مع المختلفين معه بهدوء، كان مقتنعا تمامًا بما يقوله، واعترض على كلام أحد المشاركين الذى أكد أن إقامة الحد الشرعى ضد المثليين هو أفضل حل لإنقاذ المجتمع من "سرطان" هؤلاء "الشواذ" على حد تعبيره.. حينها وضح حسام أن تجريم السلوك المثلى الطوعى بين البالغين ينتهك تدابير حماية حقوق الإنسان لخصوصية الأفراد وحرية الفرد فى بدنه بموجب القانون الدولي!! وهذا ما أثار عاصفة من النقد فى الورشة!
كان "حسام" أول نموذج أقابله فى حياتى يتكلم عن المثليين بكل هذا الحماس والإنسانية والاحترام، جعلنى لا أخجل من وضعى كشاب مثلى يعيش فى مجتمع شرقى يجرم مشاعرى ويجرم وجودى فى الحياة!

أضافت هذه الورشة معلومات وخبرات مهمة لرصيدى فى الحياة، كانت ورشة "إنسانية" فى الأساس لن أنساها بسهولة!

ما بين كلام الشيخ صلاح وحسام وقفت حائرًا .. الأول ينصحنى بالسعى كى أصبح طبيعيًا والثانى يؤكد لى أننى بالفعل طبيعى .. وداخلى صراعات وآلام لن يشعر بها إلا المثلى!!

لا توجد تعليقات على الخبر

اضف تعليق

مشاركتك بالتعليق تعنى أنك قرأت بروتوكول نشر التعليقات على اليوم السابع، وأنك تتحمل المسئولية الأدبية والقانونية عن نشر هذا التعليق

بروتوكول نشر التعليقات من اليوم السابع

الأكثر تعليقاً