الجمعة، 26 مايو 2017 03:46 ص
خالد صلاح

إسلام بحيرى

دعونا نترحم على عصور ما قبل الوهابية.. الرقم الجديد فى معادلة التخلف وأرباب الجهل

لماذا يعادى الوهابيون الطهطاوى والغزالى والإمام محمد عبده؟

الخميس، 30 أبريل 2009 09:25 م


◄كان «ابن حزم» أول ممثل لحركة الإصلاح ضد فقه التخلف وتعمد أن يعرى سوأة أصحابه لكنهم اتهموه فى دينه وعقيدته حتى حُرقت بعض كتبه وغسلت الأخرى بالماء
◄التقاليد البدوية التى يرعاها الوهابيون عجزت عن مواجهة الإصلاحيين فاتهموهم بالعمالة للغرب والكفر واستأجروا ذيولاً لتمهد لهم الطريق فأصبح الناس لا يقبلون ما كان مطروحاً من أئمة الأزهر المستنيرين
◄حديث «الفرقة الناجية» الذى يتشدقون به ضعيف.. والشيخ «أبوزهرة» كان يبطل حد الرجم.. و«الغزالى» كان يضعف أحاديث فى البخارى ومسلم من دون أسانيد ولا متون

قرن ونصف القرن مضى على حجر الأساس الذى وضعه «رفاعة الطهطاوى» كمحاولة أولى لإصلاح الفكر الدينى, ومجابهة الفقه السائد بالغلبة آنذاك ورغم مرور عشرات السنوات على بَذر الإصلاح فإن المعادلة لم تتغير حساباتها، فما زال الجهل هو الثابت والإصلاح هو المتغير, لأن ثمة عوائق كبيرة أدت إلى محدودية تأثير هذا الإصلاح على العقل المسلم من خلال معادلة معقدة باعدت بين وصول الإصلاح والإصلاحيين لتأثيرهم المنشود.

وهذه المعادلة قديما وحديثا كانت تمثل الاتهامات المسبقة والمصاحبة لحركات الإصلاح رقما أساسا فيها, وكانت الاتهامات التراثية للإصلاحيين تتمثل فى إلصاق التهم المأثورة «الزندقة-الكفر-الفسق-البدعة-مخالفة الإجماع», وقد كانت هذه الاتهامات تلقى جزافا فى وجه المخالف للفكر السائد بالغلبة الجماهيرية أو السياسية, فلو نظرنا للتجربة الإصلاحية لـ«ابن حزم» -وإن لم تكن الحفرية اللفظية لكلمة «الإصلاح» قد تبلورت حينها- فسنجد هذه الاتهامات حاضرة بالضرورة, حيث كانت دعوة «ابن حزم» المتوفى (456هـ, 1063م) لمذهب «داود الظاهرى» تمثل آنذاك خروجا من ربقة واستعباد فقه المذاهب الأربعة التى صدمت «ابن حزم» بما فيها من دين فقهى يكاد يكون موازيا لدين الشريعة فى خطين لا يتقاطعان, لذا فقد كان دأب «ابن حزم» بعلمه الواسع أن يعرى سوأة أصحاب الفقه السائد, ولكن المخالفين مارسوا دورهم الطبيعى فى إلقاء الاتهامات على الرجل فى الدين والعقيدة حتى حُرقت بعض كتبه وغسلت الأخرى بالماء, ورغم أن أساس المذهب الظاهرى يكاد يكون مضادا لإعمال العقل الذى ننادى به, لكن هدف «ابن حزم» الأسمى كان مجابهة دين الفقهاء الذى قضى على رونق الشريعة, لكن ظاهرية «ابن حزم» الشديدة -على قدر علمه الهادر- قد خانته كوسيلة لتحقيق ذلك, ومع ذلك فإن «ابن حزم» يمثل أول حركة إصلاحية ضد فقه التخلف.

وعلى هذا المنوال أصبح إلقاء الاتهامات فى الدين والعقيدة إرثا وعادة ثقافية إسلامية متأصلة, نتيجة لمفهوم «الفرقة الناجية» -وهو بالمناسبة حديث ضعيف- الذى يبارز به المتخلفون الإصلاح قديما وحديثا, وعلى ذلك كانت حركات الإصلاح فى الفكر الإسلامى مهددة على الدوام بسلاح التكفير والتفسيق والتبديع.

وكان هذا الإرث الرافض للإصلاح حاضرا بقوة أمام أولى محاولات الإصلاح الحديثة من خلال «رفاعة الطهطاوى» فى كتابه «تخليص الإبريز فى تلخيص باريز» 1834م, ولكن الاتهامات القديمة أخذت منحى جديدا وظهرت لها مساقات تاريخية مغايرة وكأن فكر التخلف قد أحدث حركة تجديدية على مستوى الاتهامات التى يقذف بها المخالفون, وتمحورت الاتهامات الجديدة للإصلاحيين حول نشر الفكر التغريبى والعمالة للغرب والعلمانية والحداثة, وقائمة طويلة تمثل التوازن المعاصر للاتهامات التراثية كالكفر والزندقة والبدعة.

أثر تلك الاتهامات على الحركة الإصلاحية:
لا شك أن نشأة الحركة الإصلاحية فى ظروف متماسة مع الغرب بشكل ما كان له أكبر الأثر فى إعطاء المسوغ والمبرر لأرباب التخلف باتهام الإصلاحيين بوقوعهم فى هوى الغرب تأثرا بالصدمة الثقافية وتفعيلا لقاعدة «ابن خلدون» الخاطئة أن المغلوب دائما ما يقع أسيرا لحضارة الغالب, ولو أخذنا «الطهطاوى» مثلا على ذلك, وقد كان المرشد الدينى لطلاب البعثة التعليمية المصرية فى باريس, ولكنه لما وضع كتابه «تخليص الإبريز» لم يكن -كما اتُّهِم لاحقا- واقعا فى هوى الغرب الباريسى, فالرجل كان يؤكد بين ثنايا كتابه على العادات المنبوذة للمجتمع الباريسى, وكان يستخلص ببراعة ما يؤسس للإصلاح فى الفكر الدينى والاجتماعى السائد فى مصر, حتى أن «الطهطاوى» التزم فى عنوان كتابه بالطريقة التقليدية حينها فى إبراز السجع والمقابلة على عنوان الكتاب «تخليص» «تلخيص» «الإبريز» «باريز» وهى دلالة مبطنة أن الرجل فى المعنى والمبنى لم يكن بحال متأثرا بالفكر الغربى ولا واقعا فى هواه, ولكنها رؤية الإصلاحى الذى رأى الحضارات تتعالى ورأى الجهل الممزوج بالدين يتهاوى فكانت المفارقة الداعية للإصلاح عنده نابعة من أسى ذلك التناقض بين الحضارة الباريسية الغربية وبين البداوة المصرية الشرقية التى تصدرت الواجهة باسم الدين.

ولكن الاتهامات بالتغريب والعمالة وجدت طريقها ممهدة عند العقل المسلم لأنه عقل لا يهوى فى الغالب مخالفة السائد أيا ما كان هذا السائد, كما أنه يميل ويأنس إلى نظرية التفسير التآمرى لأحداث التاريخ تبعا لما استقاه من شيوخ الجهل لمّا شعروا بالهزيمة الثقافية والمعرفية أمام الإصلاح والإصلاحيين.

ورغم ذلك فإنه ومع كل هذه الاتهامات كان عصر «رفاعة» ومن لحقه يعتبر -قياسا إلى الاتهامات المعاصرة- عصرا من عصور التسامح ومواجهة الحجة بنقيضها, حيث لم يكن قد ظهر الرقم الجديد فى معادلة التخلف «الوهابيون», بدءا من حقبة السبعينيات بفعل تمكنهم من مقاليد الأمور بغلبة المال والجهل -حيث الجهل أصبح يمثل جزءا من اللعبة- فطالما ازداد العقل المسلم جهلا ازداد بالتبعية إيمانا.

لذا واستمرارا لاتهام «رفاعة» ومَن بعده بالعمالة للغرب, ونظرا للظرف الذى برر لأرباب التخلف رمى الإصلاح بالباطل, سادت نظرية «التفسير الثنائى» لتاريخ حركة الإصلاح الدينى -لكل إصلاحى باعث خارجى على إصلاحه- فالإمام «محمد عبده» كان إصلاحيا إرضاء للغرب المستعمر وكذلك لصديقه «لورد كرومر», وقاسم أمين دعا لحرية المرأة فى كتابه «تحرير المرأة» 1899م, بعد آرائه المتشددة ضدها فى كتابه «المصريون» 1894م لأنه كان يريد إرضاء «الأميرة نازلى» التى استاءت من «المصريون», والشيخ «على عبدالرازق» أخرج كتابه «الإسلام وأصول الحكم» 1925م, نكاية فى «الملك فؤاد» ولإجهاض أحلامه بأن يكون خليفة للمسلمين, وهكذا كان هذا الربط الثنائى التآمرى تفسيرا مقبولا وشائعا لبواعث حركات الإصلاح بغاية المسخ والتشويه من شيوخ الجهل وتلامذتهم قديما وحديثا, فاقتنع العقل المسلم المغلوب على أمره وتبعا لأئمة التخلف أن الغرب -المستعمر سابقا الكافر حاليا- يحقد على المشروع الإسلامى، لذا فإنه يوظف عملاءه من الإصلاحيين كمعول لهدم هذا المشروع, وقد كان هذا التصور المريض والساذج له أكبر الأثر فى محدودية المدى الذى نشدته كل حركات الإصلاح الكبيرة من «رفاعة» و«محمد عبده» وصولا إلى «الغزالى».

ثم امتزجت بعدها الاتهامات نصف المعاصرة بالاتهامات الحديثة الطازجة «العلمانية - الحداثة» لتسقط بأثر رجعى من الأعاريب الوهابيين على ما سبق من حركات الإصلاح، ومن ثَم تنتج اتهامات عصرية طازجة, فأصبح «محمد عبده» -حسب الاتهامات الوهابية المعاصرة- «ماسونيا» تبعا لشيخه «الأفغانى», وأصبح «على عبدالرازق» أول علمانى فى الإسلام طالَبَ بفصل الدين عن الحكم, وكذا «قاسم أمين» و«مصطفى عبدالرازق» وبقية السلسال, وأخذ هذا التشويه سبيله لإجهاض الحركات الإصلاحية الحقيقية وبقى التخلف والبداوة وأحفاد «بنى وهب» يسيطرون على الوعى المعاصر للمجتمع المسلم.

ولكن الذى يلفت النظر أن هذه الاتهامات للحركة الإصلاحية لم تأت من جهة عباد التراث والوهابيين فحسب, بل إن القراءات المعاصرة للنخبة الثقافية قد تشى بمعنى مشابه لذات التفسير المشوه لحركة الإصلاح الدينى, فعلى سبيل المثال نشرت مجلة «وجهات نظر» (العدد121, فبراير 2009) مقالا للدكتورة «شيرين أبو النجا» بعنوان «ذاك الانشغال بالنساء» تحاول فيه تحليل الرمز الذى بات يمثله الاهتمام بالنساء على مستوى الخطابين السياسى والدينى, وفى معرض تحليلها لذلك انتقلت لتحليل هذا الخطاب المشابه إبان حكم المستعمر الإنجليزى لمصر فنقلت عن «لورد كرومر» من كتابه «مصر الحديثة» مضمونا مفاده أن «كرومر» كان يقصد الحط من الوضع الاجتماعى للمرأة فى الإسلام وأن سبب أوضاعها المزرية يعود إلى الدين, ثم قالت الكاتبة نصا: «وبإجراء تحليل سريع لخطابه -كرومر- يتبين أنه يقارن وضع المرأة الإنجليزية المتميز بوضع المرأة المصرية المتدنى، لذلك لم يأت كتاب قاسم أمين «تحرير المرأة»1899 م من فراغ» وجهات نظر (العدد 121صـ26).

وهذا ما يثير الانتباه، فقد ربطت الدكتورة بين إصدار «قاسم أمين» كتابه «تحرير المرأة» وآراء «كرومر» المستعمر, من خلال الثنائية التاريخية الكلاسيكية التى تجعل مشروع الإصلاح هو المعادل الموضوعى للتأثر بالآخر, فآراء «قاسم أمين» إنما هى رد فعل على الذات المستعمرة وكذلك هى تبييض لوجه التخلف الذى رمى به «كرومر» وضع المرأة المتدنى بفعل الإسلام, وهكذا نجد إصدار «قاسم أمين» كتابه «تحرير المرأة» 1899م, ثم «المرأة الجديدة» 1900م قد خرج من اتهام مجاملة «نازلى» إلى سياق تاريخى مشوِّه للإصلاح بأنه كان مجرد رد فعل من الموضوع «الإسلام أو الشرق» لتحسين وتجميل الصورة أمام انتقاده من «المستعمر الغربى», وهذا ما يمثل عنصر الدهشة فى الكتابات المعاصرة المماثلة لما كتبته الدكتورة «شيرين» ورغم احترامى لرأيها فإننى أوقن أنه قد لا تخفى عليها عدة أمور حول مبعث «قاسم أمين» على إصدار هذين الكتابين وذلك ليس دفاعا عن «أمين» ولكنه محاولة لقراءة طبيعية لا تفتش عن المخبوء داخل صدور الإصلاحيين.

أولا: أصدر «قاسم أمين» كتابه «المصريون» 1894م وذلك قبل كتابه «تحرير المرأة» بخمس سنوات 1899م, وكان متمسكا فيه بآرائه المتشددة تجاه المرأة والاختلاط وبقية المنظومة الكلاسيكية, ولم يكن التحول فى فكر قاسم لا بالتصريح ولا بالتلميح مبعثه محاولة تحسين الصورة أمام انتقاد المستعمر «كرومر», حيث أصدر «كرومر» الطبعة الكاملة لكتابه «مصر الحديثة» إبان مغادرته مصر (القاهرة - مطبعة الوطن 1908), ومعلوم أن كتابى «أمين» سبقا الإصدار الكامل لكتاب «كرومر» بتسع وثمانى سنوات على الترتيب, ما يثبت أن «قاسم» لم يكن بباله «كرومر» آنذاك حتى لو كانت آراؤه وانتقاصه للمجتمع المصرى الشرقى معروفا ومعلنا فى خطاباته وجلساته لكان ذلك بعيدا كل البعد عن إصدار «قاسم» للكتابين كمعادل موضوعى لما أضفاه «كرومر» على الإسلام من صبغة الجهل والفشل الاجتماعى, لأن التحول الأكبر فى حياة «قاسم» كان ببدء الملازمة والحوار مع الإمام «محمد عبده» الذى كانت آراؤه أكثر شدة ونقدا ونقضا لمظاهر التخلف -ومنها حقوق المرأة- فى الفقه والفكر الإسلامى وليس فى الشريعة, حيث فطن «محمد عبده» لأهمية الفصل بين الشريعة والفقه, لذا فإننا لا يجب أن نذهب بعيدا لنقر بالتأثير على «قاسم أمين» من «كرومر», فى حين أن التأثير الأقرب للعقل ومساقات الظرف التاريخى والذى يقوم به الدليل كان لـ«محمد عبده» على تغيير دفة آراء «قاسم» فى السنوات الخمس الفارقة بين «المصريون» و«تحرير المرأة», بل إن كثيرا مما يؤثر عن «كرومر» ذاته من أقواله وكتاباته هو ما يظهر فيه التأثر والتأثير الكبير بأقوال واتجاهات الإمام «محمد عبده».

إذن فقد كان «محمد عبده» هو الرائد والمؤثر على الاثنين «قاسم» و«كرومر» فى تكوين رأييهما عن الوضع الاجتماعى المزرى وفقه التخلف السائد وحقوق المرأة الضائعة, ولكن الاختلاف بين الاثنين كان فى الصياغة, فكتب «كرومر» ما كتبه فى «مصر الحديثة» بالصيغة القديمة للمستعمر الذى يقزم الشرق ويبين عوزه للانفتاح الغربى حتى لو كانت أفعاله بعكس ذلك, وكتب «قاسم» ما دونه فى كتابيه «تحرير المرأة - المرأة الجديدة» بصيغة المصلح الذى لا يرى بأسا بنفى خبث التخلف وحرمان المرأة من حقوقها عن الإسلام, والانفتاح على فكرة الدولة الحديثة التى لا تصطدم مع الإسلام بأى شكل, بل إن بعض الكتابات المعاصرة والمحققة لكتب «قاسم أمين» مثل الدكتور «محمد عمارة» قد أقامت الأدلة على ثبوت صياغة «محمد عبده» لأبواب الترجيحات المذهبية والفقهية - كتابة أو إملاء- فى كتابى «قاسم أمين», وهو رأى معتبر حيث لم يكن «قاسم» من أهل هذا العلم, وما يستتبع النظر أن التأثير الخارجى على «قاسم» لم يكن لمواجهة الحط الاستعمارى ولا صدى معاكس لخطاب «كرومر», بل كان التأثير المباشر والوحيد على «قاسم» من «محمد عبده» الذى كان نقده للفكر السائد اجتماعيا ودينيا أغلظ من كثير مما قاله «كرومر» فى «مصر الحديثة».

إذن حتى الكتابات المنفتحة المعاصرة يمكن أن تقع فى شرَك التفسير الكلاسيكى لبواعث الحركة الإصلاحية فى القرن الماضى, وهو ما يلتقى مع أشد الآراء الوهابية تشويها للحقائق وإن اختلف أصحاب الرأيين فى الاتجاهات الفكرية على طرفى نقيض.

ومع كل ذلك -كما ذكرنا سابقا- فإن العقل المسلم وحتى بدء سبعينيات القرن الماضى كان يستطيع تحمل الحوار ويتقبل شيئا فشيئا التجديد, ولكن التشويه الدائم للإصلاح أفضى بالوعى المسلم المعاصر لعدم تقبل أى إصلاح فى الفكر الدينى ولو كان هو الأقرب للحق والنص والعقل, بل إن الوعى الإسلامى المعاصر لا يستطيع تحمل ما كان مطروحا من أئمة الأزهر فى عصور (ق. و) ما قبل الوهابية, فماذا يفعل المسلم المعاصر لو سمع بعض آراء الشيخ «الباقورى» المستنيرة أو اطلع على تفاصيل من حياته الشخصية, وماذا يفعل العقل المسلم المعاصر لو علم أن الشيخ «أبوزهرة» لا يرى فى «حد الرجم» حدا للزانى المحصن, وماذا يفعل المسلم لو أعاد قراءة الشيخ «الغزالى» وهو يضعف الأحاديث فى البخارى ومسلم من دون جهد فى أسانيد ولا متون ولكنه يضعف الحديث لمناقضته القرآن الكريم غير عابئ بالتلفيقات البائسة لمحاولة ربط النصوص المتعارضة من السلف والخلف.

إذن لماذا نحتاج للإصلاح الآن:
لأن الوعى المسلم بات فى أحلك نقطة سوداء فى النفق المظلم وهذا أكثر ما يستطيع التخلف الوصول إليه, فليس هناك بُعد آخر, فقد أصبح تقبل الإصلاح مريرا وصعبا حتى لو صدر من المؤسسة الدينية الرسمية, وحتى لو كان فى غير كبائر الأمور, فغلبة الدين الوهابى القشرى على الوعى العام لم تجعل صغيرة على حالها, فمثلا موضوع ختان الإناث كانت قد صدرت فيه آراء مستنيرة من مفتى الديار وغيره استنادا لعدم وجود نص صحيح فى الدين عن وجوبه بحق الإناث, كما استندت هذه الآراء المستنيرة لرأى الأطباء من العرب والعجم الذين أكدوا أن ما يسمى بالطهارة للإناث هو قتل مادى ومعنوى لنساء المستقبل, ولكن وبعد كل تلك الحملات المكثفة للتوعية حتى من المؤسسة الرسمية لم يكن ذلك شفيعا عند الوعى للمسلم للانتهاء عن هذه المفسدة, فقد أصبح لا يصدق إلا أصحاب «الطرحة» البيضاء أو الحمراء على الرأس, الذين أوهموه أن تلك الزائدة الجلدية هى الكفيلة بالشبق الجنسى المؤدى للرذيلة والفاحشة, وقد نص شيخ الوهابية غير المباشر «ابن تيمية» فى الفتاوى أن العرب كانوا يعايرون الرجال بأمهاتهم غير المختونات فيقول: «ولهذا يقال فى المشاتمة: يا ابن القلفاء، فإن القلفاء تتطلع إلى الرجال أكثر ولهذا يوجد من الفواحش فى نساء التتر ونساء الإفرنج» مجموع الفتاوى (30/21), هذه هى حضارة الأعاريب البدو الذين يشتمون أمهاتهم ويتهمون الشريفات بالتطلع لمعاشرة الرجال لمجرد أنها نجت من اقتطاع جزء من جسمها, وهذه هى الثقافة البائسة للأعراب التى تعشعش بفضل أزلام الوهابية وذيولها فى مصر الذين استأجرهم الوهابيون بحق الانتفاع, ولذلك لن تجدى كل حملات التوعية لمنع ختان الإناث ولن يجدى سن القوانين, طالما بقيت الأشياء الوهابية متمكنة ومتربعة على الوعى العام فى شاشاتها ليل نهار.

فإذا كانت كل هذه القوانين والحملات والفتاوى والآراء لم تكف لدرء مفسدة واحدة من مفاسد الفقه القديم الذى كان يرى المرأة مركوبا كالحمير والبغال, فماذا عن تقبل عقل المسلم المعاصر لباقى مناهج الإصلاح؟ كيف يتحرر المسلم من عبادة السلف؟ وكيف يمكن له هذا وقد تربى أنه ليس فى الإمكان أبدع مما كان, وأننا مجرد مكترين من بحور علم الأوائل الغزير بلا إضافة ولا حذف ولا تعديل, كيف يمكن أن يقتنع المسلم المعاصر أن كتب الأوائل فيها الخير والشر, فيها الإصابة والخطأ؟ وكيف يقتنع بفهم جديد ومؤصل وعقلانى للنصوص على منهاج معاصر يخالف نهج السابقين؟ وكيف يقبل هذا العقل المأزوم الخروج من دائرة الخرافة والدجل وشرائط الرقية الشرعية الوهابية وشاشاتهم التى أصبحت تعالج بالقرآن على الهواء من خلال الشاشة فى تقدم مذهل نحو التخلف.

إذن نحن وصلنا لما ليس بعده, لذا فإن الإصلاح لو كان فى السابق وسيلة لبلوغ نهضة المجتمع المسلم, فإنى أرى أن الإصلاح فى الفترة الراهنة إنما هو غاية فى ذاته وليس وسيلة, فإصلاح الفكر الدينى ببعده النظرى, والتخلص من رق التخلف الموروث حتى لو لم يثمر فى الظرف الراهن هو غاية مرجوة بعينها, ومع الوقت سيتحول الإصلاح النظرى بفعل الانتخاب الطبيعى الذى يستشرف الحق لذاته, وبفعل البوادر والإشارات التى تنبئ بأن وريقات التوت الأخيرة آخذة فى السقوط عن سوأة الوهابية, وبفعل قانون سقوط الاتهامات الزائفة عن الإصلاحيين بالتقادم, سيتحول إلى إصلاح حقيقى يمارسه المسلم, حيث لا ريب أن البَذر يوما سينضج ولو بعد حين.



لا توجد تعليقات على الخبر
اضف تعليق

تم أضافة تعليقك سوف يظهر بعد المراجعة



مشاركتك بالتعليق تعنى أنك قرأت بروتوكول نشر التعليقات على اليوم السابع، وأنك تتحمل المسئولية الأدبية والقانونية عن نشر هذا التعليق بروتوكول نشر التعليقات من اليوم السابع
الرجوع الى أعلى الصفحة