الجمعة، 24 مارس 2017 06:00 م
خالد صلاح

إبراهيم الهضيبى

حصاد الحرب

الجمعة، 06 فبراير 2009 12:12 ص


توقف الرصاص مؤقتا فى غزة، وأقول مؤقتا لأن عاقلا لا يمكن أن يتصور أن عمليات غزة الرصاص المصبوب للإسرائيليين، ومعركة الفرقان للمقاومة- ستكون الجولة الأخيرة فى الصراع مع المحتل.

إلا أنه مع توقف الرصاص كما فى كل مرة- تدور أسئلة الربح والخسارة المتعلقة بتلك الجولة، كالسؤال عن أسباب إطلاق النار، والسؤال عن الرابح والخاسر فى تلك الجولة.

ومع الحديث عن أسباب إطلاق النار انطلقت بعض الأقلام لتحمل فصائل المقاومة المسئولية، بسبب رفضها جميعا تمديد التهدئة بالشروط التى أقرتها إسرائيل، وبسبب الصواريخ التى أطلقتها فى الأيام القليلة السابقة على بدء العدوان، والحقيقة أن اتهاما مثل هذا يصعب تقبله لمن يعرف ولو قليلا عن حقيقة هذا الصراع الذى لم يبدأ بإطلاق حماس للصواريخ، وإنما بدأ قبل ذلك بستين سنة، والحقيقة أيضا أن فصائل المقاومة لم تبدأ بإطلاق الصواريخ إلا بعد خرق إسرائيلى متكرر للتهدئة، وأنها لم ترفض تمديد التهدئة إلا بسبب تعنت إسرائيلى فى رفع الحصار.

كل هذا فى الحقيقة يدل على أنه لم يكن بإمكان فصائل المقاومة والحكومة المنتخبة أن تتجنب -بتغيير فى سياستها خلال العام الماضى- ما حدث، إذ إن البديل المطروح هو الاستسلام لحصار قاتل وموت بطىء، والتسليم بمشروع اللا دولة ولا سيادة الذى تريده إسرائيل، مشروع هيكل السلطة المجرد من سلطتها.

والحق أن إسرائيل لا يمكنها أن تملك غير هذا المشروع، فهى لا يمكنها القبول فعلا بدولة فلسطينية لها مقومات الحياة تقوم إلى جانبها، حتى إن قبلت بذلك المقاومة، فقضايا كاللاجئين والقدس والأمن لا يمكن حلها بحال، ولن يستطيع أى من الطرفين الرئيسيين أو الأطراف الإقليمية والدولية ذات المصلحة تقديم تنازلات حقيقية فيهما، وسيبقى التأجيل والتسويف فى ظل إحجام ما يسمى بالمجتمع الدولى عن السعى لحل المشكلة والاكتفاء بمحاولة احتوائها بسبب الانحياز الواضح لأطرافه الرئيسية لصالح إسرائيل من ناحية وصعوبة التفريط فى الحقوق الفلسطينية الأساسية التى سبقت الإشارة إليها من جهة أخرى. وبالتالى فإسرائيل لا يهمها فى حقيقة الأمر إن كان من يتعامل معها يؤمن بالدولتين أو يؤمن بدولة فلسطينية واحدة، فمن يدافع عن دولة فلسطينية عندهم متطرف على كل حال، والرئيس عرفات رحمه الله الذى اعترف بإسرائيل، وقدم تنازلات كثيرة، حوصر حتى الموت فى مقره فى رام الله لأنه رفض تقديم التنازلات التى طلبت منه فى القضايا السابق ذكرها، والتى بدونها لا يمكن قيام دولة حقيقية، حينما ذهب إلى كامب ديفيد فى صيف 1999.

إذن الخيار الحقيقى أمام المقاومة لم يكن خيارا بين الحرب والسلام، وإنما كان خيارا بين المقاومة والاستسلام، أو على أحسن حال بين الدخول فى المعركة اليوم، أو تقديم قدر كبير من التنازلات ثم الدخول فى المعركة من موقف أضعف بعد سنوات كما حدث مع الرئيس عرفات، فهى لم تلق بنفسها ولا بالشعب الفلسطينى إلى التهلكة، وإنما خاضت معركة استطاعت الخروج منها حية اليوم، وهو خيار أفضل من خوض حرب تموت فيها حتما غدا. والخلاصة فى رأيى هنا أن (الوطنى الفلسطينى) الذى لا يزال يحلم بالدولة لم يكن بإمكانه تجنب هذه المعركة وجل ما كان له أن يطمح فيه هو تأجيلها، فى الأغلب على حساب تضحيات لا أظنها تستحق.

هذا بخصوص إمكانية تجنب المعركة، أما بخصوص السؤال عن انتصار المقاومة فيها فأتصور أنه كما يقول المستشار طارق البشرى- سؤال خاطئ، لأن فكرة حروب العصابات والجيوش الشعبية تقوم بالأساس على تجنب المعارك الحاسمة التى تنتهى بفائز ومهزوم، وأن رهان الجيوش الشعبية ليس على الانتصار فى معركة وإنما فى طول النفس الذى تنتصر معه فى القضية. وأما سؤال النصر والهزيمة فى المعركة فهو سؤال يوجه إلى الجيوش النظامية، وإلى الطرف الذى بدأ القتال بأهداف محددة يمكن قياس انتصاره عليها، وبالتالى فالسؤال الصحيح هو: هل انتصرت إسرائيل فى تلك الحرب؟

لقد أعلنت إسرائيل فى بدء العدوان أن هدفها هو (تغيير الوضع الأمنى فى غزة)، وأشارت غير مرة إلى أن ذلك معناه القضاء على حماس وفصائل المقاومة، وبعد أيام تغير الهدف من القضاء عليها إلى إضعافها، ثم إلى القضاء على قدراتها الصاروخية، ثم إلى منع تهريب السلاح، ثم توقف إطلاق النار من جانب واحد. والحقيقة أن هدف منع تهريب السلاح غير مرتبط بالحملة العسكرية من الأساس، فهو أمر مرتبط بترتيبات سياسية من خارج غزة تحاول منع وصول السلاح إليها، والأهداف الأخرى كلها لم تتحقق، فالمقاومة خرجت من الحرب بشرعية أكبر، واستشهاد بعض قياداتها السياسية والميدانية لم يؤثر على أدائها، وإطلاق الصواريخ استمر خلال خطاب أولمرت الذى أعلن خلاله وقف العدوان، ليعلن الفشل الكامل للعملية فى تحقيق أى أهداف سوى قتل الأطفال والنساء والشيوخ.




لا تفوتك
لا توجد تعليقات على الخبر
اضف تعليق

مشاركتك بالتعليق تعنى أنك قرأت بروتوكول نشر التعليقات على اليوم السابع، وأنك تتحمل المسئولية الأدبية والقانونية عن نشر هذا التعليق بروتوكول نشر التعليقات من اليوم السابع
الرجوع الى أعلى الصفحة