الجمعة، 18 أغسطس 2017 02:31 م
خالد صلاح

إبراهيم الهضيبى

غزة فى مصر بين مشروعى التضامن والتعاطف

الأربعاء، 28 يناير 2009 08:47 م


الحديث عن الخيانة والعمالة فى السياسة كالحديث عن الكفر فى الدين، حديث محفوف بالمخاطر وكلام لا يصح الرمى به بغير دليل قاطع، ومن الأفضل عدم التعرض له وإحسان الظن بالجميع، ذلك من دون التفريط فى تحليل المواقف وإدانة الخطأ حيث وجد. أتصور أن تلك القاعدة لابد من التزامها عند الحديث عما يحدث على أرض غزة، وما أنتجته من اصطفاف حاد فى الداخل المصرى.

وأتصور أن هذا الاصطفاف أعاد تعريف الخريطة السياسية المصرية، فالتيارات السياسية الرئيسية الأربعة (الإسلامى واليسارى والليبرالى والقومى) انقسم كل منها على مشروعين حضاريين رئيسيين وقف أنصار كل منهما من كافة التيارات متحدا فى تلك الأزمة، أحدهما اكتفى بالتعاطف الإنسانى مع غزة والآخر تضامن معها. وأتصور أن هذه المواقف إنما هى انعكاس لمواقف فكرية أعمق للفريقين، تمثل فى ظنى نقطة الخلاف الرئيسية بين مشروعى التضامن والتعاطف، وهى متعلقة بصلب القضايا الوطنية، وذلك هو الموقف من قضية الاستقلال الفكرى والحضارى.

فأحد المشروعين مشروع استقلالى محدود يقف بفكرة الاستقلال عند حدود مصر، ولا يتعدى عمقها معه الجلاء العسكرى للمحتل، والآخر مشروع استقلال حضارى عام يدرك أن تمام الاستقلال هو استقلال الرؤية الوطنية والاقتصاد الوطنى والسياسة الوطنية عن التأثيرات الفكرية، وهو مشروع يدرك أن الاستقلال الحقيقى لمصر لا يتم ببترها عن محيطها العربى والإسلامى، وإنما يترسخ هذا الاستقلال باستقلال الأمة بأسرها، باعتبارها أمة واحدة مصيرها واحد وإن تكونت من شعوب عدة، وأن الوجود الإسرائيلى على الحدود مع مصر يهدد استقلالها ويؤثر على قرارها الوطنى.

ومشروع الاستقلال المحدود هو فى حقيقته مشروع تبعية فكرية، فهو قاوم الوجود المادى للمحتل فى بلده إلى أن انتهى، ولكن رؤيته الحضارية تابعة لرؤية المحتل الراحل، وليس له مشروع نهضوى وطنى، فمفاهيم النهضة ومعاييرها بالنسبة له هى ذاتها مفاهيم ومعايير المحتل النابعة عن رؤيته الحضارية.

ولعل أهم ما يميز هذه الرؤية الحضارية هو الفردية والمادية، الفردية التى تنفصل بأبناء المشروع عن قضايا أمتهم الأعم والأوسع، وتنكفئ بهم على الداخل المحدود، وغالبا ما تضيق أكثر لتكون حجر أساس لمبدأ (وأنا مالى)، فلا تتجاوز حدود أضيق المحيطات الاجتماعية والجغرافية، والمادية التى تنحى جانبا كل القيم التى لا يمكن حسابها ماديا كالكرامة، والتضحية، والأخوة، والنخوة، فتصبح القيم العليا ليست إنسانية وإنما مادية محضة تتمثل فى (أكل العيش) الذى يستحق أن يضحى الإنسان من أجله بكل قيم الإنسانية ومكوناتها، وأن (يمشى جنب الحيط)، وبالتالى فأفضل ما يمكن تقديمه للقضية الفلسطينية هو التعاطف.

وبتنحية هذه القيم الأخلاقية يصبح من الطبيعى أن يتميز هذا المشروع بـ(الحياد)، فهو يفقد تماما الذاكرة التاريخية ويساوى بين الجانى والضحية، وبين الغاصب والمقاوم، ويجعل أعمال كليهما عنفا مدانا، ويطالب الطرفين بإنهاء العنف ووقف إطلاق النار، وللحق فإن بقية من القيم الموجودة لدى أغلب المنتمين لهذا المشروع تمنعهم من الوصول لهذه القدر من الحياد، وهم بالتالى يبقون فى صف المؤمنين بعدالة القضية الفلسطينية، ولكن قولهم الذى يوحدهم هو (وأنا مالى).

وفى القضية الفلسطينية يؤمن هذا التيار بأنه طالما أن معايير القوة المادية ليست فى صالح الفلسطينيين فمن الأفضل أن يتحلوا بـ(الواقعية)، وأن ينحوا جانبا قضايا الكرامة، وأن يقبلوا بالدنية، ويسلكوا سبيل المفاوضات وحده أملا فى لقيمات تقع على طاولاتهم، ذلك لأن أى فعل يخالف ذلك فهو متهور، مغامر، غير واقعى، ويرون أن المقاومة الفلسطينية كبدت الشعب خسائر كثيرة، حتى أن الرئيس الفلسطينى المنتهية ولايته قال مثل قولهم.

وللدكتور المسيرى رحمه الله تعليق رائع على موضوع الواقعية يقول فيه إن هؤلاء الذين يدرسون أبعاد الواقع المادية بشكل أفقى ويعملون بناء عليها حسابات مادية عدد المكاسب والمخاسر المادية وينتهون من ذلك إلى قرار يتجاهل الأبعاد غير المادية وقائعيون لا واقعيون، فهم يستبعدون قدرة الإنسان على تجاوز هذا الواقع، أما حركات المقاومة التى تدرس الواقع وتعيه بشكل جيد، وتنطلق من فهمه فى محاولة لتغييره مؤمنة بقدرة الإنسان على تجاوز الأبعاد المادية وتغيير الواقع، مستعدة للتضحية والبذل فى سبيل ذلك، فهى حركات قمة فى الواقعية، وتتميز بالقدرة على الاستمرار والبقاء، ولا يمكن استيعابها بدون تحقيق مشروعها.

وفى القضية الفلسطينية أيضا يؤمن أبناء هذا المشروع بأن منتهى الطلب هو التعاطف مع أبناء الشعب الفلسطينى، تعاطف إنسانى مع (آخر) منكوب، يكون بحملات التبرع بالمال والدم منقطعة الصلة بالدعم الأوسع والأشمل الذى يعتبر ما يحدث قضية أمة، والحقيقة أن ترويج هذا التعاطف يشارك فيه قادة من التيارات السياسية الأربعة، أو من الجناح التبعى فيهم.

وأما المشروع الآخر فيعتبر المقاومة رأس حربة لمشروع استقلال حضارى عام، يرى أنها مغامرة ولكن مغامراتها المحسوبة مطلوبة، ويرى أن لها ثمناً مؤلماً ولكنه حتمى للاستقلال والسيادة والكرامة، ولذلك فهى ترى فى التضحيات الفخر لا الذل، تماما كما تفتخر الجزائر بكونها بلد المليون شهيد، وتفتخر مصر بأن تضحيات قواتها المسلحة أعادت أرضها فى وقت لم تكن موازين القوة المادية فى صالحها.

ولأنصار هذا المشروع موقف واضح من التبعية الفكرية، فهم ضد فلسفلة الفردية والمادية، وينطلقون دوما من أفكار لا تتمحور حول الذات الضيقة، وإنما تؤمن بأن القبول بالظلم فى أى مكان انتهاك للإنسانية يعنى القبول به فى كل مكان، وأن استقلال فلسطين يعضد الاستقلال المصرى، وأن مصر لا تملك أن تكون طرفا محايدا فى القضية، فهى بسبب الهوية والثقافة والعقيدة والمصلحة والتاريخ طرف فى هذه القضية، وأن ما يحدث فى غزة يؤثر ويتأثر بما يحدث فى القاهرة، وأن الصراع لا يمكن اعتباره صراعا حدودا، وإنما هو صراع وجود، وأن المسئولية الشخصية لكل مصرى، والمسئولية الحضارية لمصر تفرض عليها فرضا التضامن مع الفلسطينيين فى قضيتهم واعتبارها قضية العرب والمسلمين جميعا.

وبالتالى فمطالب أصحاب هذا الموقف لا تتوقف على المساعدات الإنسانية، وإنما تتخطاها لمطالب سياسية واقتصادية، وموقفهم من التطبيع محسوم لصالح رفضه فى كل صوره، ورؤيهم المعرفية تتميز بالاستقلال. والحق أن ذلك الاصطفاف على المستوى الفلسفى يمثل على المستوى العملى خطا متواصلا يصل ما بين أكثر درجات التضامن التى لا تأخذ أية معايير مادية فى الاعتبار، وتطالب بإعلان الحرب اليوم، مرورا بتيارات لا تتخذ من الحرب موقفا رافضا وإنما ترى أن العدة لها غير موجودة، وتيارات ترى التعاطف الإنسانى الكامل مع القضية مع الإيمان بعدالتها، وتيارات تتعاطف مع تحفظ على القضية، وتيارات لا تؤمن حتى بالتعاطف.

والحق أننى أرفض الموقف المحايد، وأعجز عن رؤية مصر غير التى رآها مصطفى كامل: مصر المستقلة قلب العالم العربى والإسلامى النابض، وأجزم بأن اتباع التبعية الحضارية يقضى على استقلالية الوطن الحقيقية، ويشوه هويته الحضارية، ويجعله مسخا مشوها لا يمكن أن يرضى عنه محب لترابه.



لا توجد تعليقات على الخبر
اضف تعليق

تم أضافة تعليقك سوف يظهر بعد المراجعة



مشاركتك بالتعليق تعنى أنك قرأت بروتوكول نشر التعليقات على اليوم السابع، وأنك تتحمل المسئولية الأدبية والقانونية عن نشر هذا التعليق بروتوكول نشر التعليقات من اليوم السابع
الرجوع الى أعلى الصفحة