د. سعيد اللاوندى يكتب من باريس: كل عقول مصر العظيمة على جدران بلد الجن والملائكة

الخميس، 06 نوفمبر 2008 - 10:28 م

متحف اللوفر

◄«عبدالرحمن بدوى»صدمنى بطلبه أجرا عن الكلام معى.. و«لويس عوض» أرعبنى بصراخه فجأة طالبا العودة إلى الفندق

عندما قال المستشرق الفرنسى الكبير جاك بيرك - صاحب أصدق ترجمة لمعانى القرآن «تحت كل حجر فى باريس حكاية لشخص مصرى».. ظننته فى البداية يداعبنى كما اعتاد أن يفعل منذ ربطت أواصر الصداقة بيننا.. لكننى مع الأيام أيقنت أنه لم يكن يمزح، فتاريخ النخبة المصرية يتوزع بين أرجاء عاصمة النور، ويمتد أيضاً إلى المدن الأخرى مثل «مرسيليا» وبونبليه، وليون. و تبين لى - بحق - أن كلية الحقوق فى جامعة ليون التى تقع فى جنوب فرنسا، كانت تضم أوائل القرن الماضى وتحديداً فى عام 1906 نحو 350 طالباً مصرياً من أصل 400 طالب يدرسون القانون.

وعندما قرأت مذكرات «لطفى جمعة» الذى عاش فى مدينة ليون فى هذه الفترة، عرفت أنه كان يطلق على هذا العدد الضخم من المصريين الدارسين فى جامعة ليون مدرسة المشاغبين المصريين فى ليون، نظراً لأن معظمهم كان يكتب فى الصحف، ويلقى المحاضرات، ويشارك فى الندوات، ويبحث عن استقلال مصر فى المحافل الفرنسية.

اول مرة
وأعترف أننى عندما زرت باريس لأول مرة - كان ذلك فى 16 فبراير عام 1980 - كنت قد عرفت «أشطاراً» من تاريخ هذه المدينة الجميلة التى يتغنى بها الكتاب والشعراء فى مصر وبقية العالم.. خصوصاً تاريخ ميادينها وشوارعها، وجامعاتها، ففى باريس وحدها توجد عشر جامعات، وأذكر أننى فى اليوم التالى لوصولى ذهبت إلى حديقة لوكسمبورج التى تقع فى قلب الحى اللاتينى - واتجهت إلى البحيرة التى تتوسطها، وأخذت أتذكر صولات وجولات لمفكرنا الراحل الشيخ مصطفى عبدالرازق الذى كان يعشق هذا المكان، ويخصص وقتا ثابتا للذهاب إلى حديقة لوكسمبورج.. والتنزه بين أرجائها.

الشيخ مصطفى كتب فى مذكراته أن هذه الحديقة أثيرة إلى قلبه، ففى أركانها المختلفة يجلس العشاق فى حالة من الوله والوجد لم يجد مثيلاً لهما.. ففى هذا الركن يتسامر رجل وامرأة، وفى الركن القصى تجلس فتاة جميلة تقرأ فى كتاب، وعلى بعد أمتار منه انشغلت سيدة أخرى بقراءة رسالة، أما قبالته فكان يجلس عاشقان صغيران يشبكان أصابعهما، ويتعانقان،ويمطران بعضهما البعض بالقبلات، وعندما اقترب الشيخ من البحيرة، ووجد الأطفال يعبثون بمياهها، ويحركون - بعصى فى يدهم - المراكب الشراعية الصغيرة - يمرّ عليه هذا الحال، وحرك مشاعره فكتب موجهاً حديثه إلى هؤلاء الأطفال يقول: رويدكم يا أطفال.. لا تعبثوا بهذه البحيرة فإن ماءها ليس إلا ذوب عبرات المحبين والعشاق.

المعروف أن الشيخ مصطفى عبدالرازق ذهب إلى فرنسا مرتين الأولى «دارساً» فى معهد الدراسات الإسلامية فى مدينة ليون، والثانية «محاضراً» فى جامعة السوربون، وكان قد اختار مع زميل فرنسى يعرف اللغة العربية أن يترجما معاً كتاب رسالة التوحيد لأستاذه الإمام محمد عبده، وأقسم أن عشق الشيخ مصطفى لحديقة لوكسمبورج قد انتقل إلىّ »بالعدوى السريعة« ووجدتنى أزورها فى أوقات مختلفة، وأشم فيها عطر الشيخ مصطفى والفنان العبقرى محمود مختار، الذى كان يسكن فى الناحية الغربية للحديقة، بينما تقع كلية الفنون الجميلة »التى يدرس فيها« فى الناحية الشرقية.. ولذلك كتب يقول: إن أمتع لحظات حياتى هى تلك التى كنت أقطع فيها حديقة لوكسمبورج من الغرب إلى الشرق بين منزلى «حيث أقيم» وبين الفنون الجميلة «حيث أدرس».

ثلج خالص
كنت أجد سعادتى فى هذا الطريق، خصوصاً فى الشتاء عندما تتحول أرضه إلى ثلج خالص، وأكثر ما كان يدهشنى أن أجد الأطفال الصغار يتقنون الجرى والتزلج على هذا الجليد، ويتقاذفون بقطع الثلج والصقيع، بينما كنت أسير متوتراً فى ركام من الملابس المنسوجة من الصوف الثقيل، وفى ركن غير بعيد من البحيرة رفعت مقعداً خشبياً فقفزت إلى ذهنى هذه المقابلة غير الحميمية - فى البداية - التى جرت بين الشاعر بيرم التونسى، الذى كان منفياً فى باريس لنحو ثمانية عشر عاماً، والدكتور زكى مبارك..فقد شاءت أقدار الأخير أن يذهب إلى حديقة لوكسمبورج ذات يوم، وبعد أن قام بجولته فى أرجائها، وجد مكاناً خالياً فى مقعد فأوى إليه.. وبعد لحظة تأمل - اعتاد عليها فى كل مرة يزور فيها المدينة - لفت نظره أن الرجل الذى ينام على جزء من المقعد يضع تحت رأسه بعض الجازيتات «الجرائد» المكتوبة باللغة العربية.. فمد يده على الفور وأخذها خطفاً، فاستيقظ النائم.. فإذا به الشاعر بيرم التونسى!

الـمفاجأة كانت كبيرة، فبعد أن تعانق الرجلان «بيرم، وزكى مبارك» أخذ بيرم يشكو سوء حاله، وأنه أمضى سنوات فى مدينة ليون ثم ها هو يأتى إلى باريس، فلم يجد مكاناً يؤويه غير حديقة لوكسمبورج.

ميدان سان ميشيل حيث توجد النافورة التى تحرسها تماثيل ومنحوتات تتحدى الزمن، فيه قفزت إلى ذهنى ذكرى لقائى الأول بالفيلسوف الراحل عبدالرحمن بدوى، الذى عاش فى باريس ما يزيد على ربع قرن.. وكان هذا الميدان قريباً إلى كليته، لأنه يكتظ بالطلاب السوربونيين «لأن جامعة السوربون على بعد أمتار منه» ثم إنه يسكن بعيداً عنه، أما الأهم فكان مقهى لوديبار - وتعنى الرحيل- الذى يفضل الجلوس فيه كان يطل على الميدان من ناحية، وعلى واحد من تفريعات نهر السين الصغيرة من ناحية أخرى.

وأذكر أننى كنت مشغولاً فى ذلك الوقت بقضية: لماذا يكتب الكاتب، وكيف يقرأ؟ لقناعتى بأن الكتابة رسالة، وأن القراءة فن وليست وسيلة لإزجاء وقت الفراغ، عندما ضرب لى الفيلسوف الراحل الدكتور عبدالرحمن بدوى موعداً فى مقهى لوديبار ذهبت قبل الموعد بربع ساعة، فوجدته جالساً فى حالة شرود أو تأمل وراء الجدار الزجاجى، وعندما رآنى وبخنى لأنى جئت الموعد مبكراً، ثم أردف: لن أجلس معك إلا فى تمام الساعة التى حددتها لك، ورغم دهشتى، من هذا التصرف، إلا أننى انتقلت وجلست على مقربة منه، وفى الموعد المحدد أشار إلىّ فانتقلت إلى جواره.. وقبل أن أبدأ حوارى معه، أخذ هو يسألنى عن مصر، وما يحدث فيها، وعن الثقافة التى ضاعت من وجهة نظره، وعن كتاّب الأهرام الذين يتقيأون «ولا يكتبون».. ولأنى كنت أعرف أنه سريع الغضب فألزمت نفسى بالصمت والاكتفاء بهز الرأس أو الابتسام فى اقتضاب.. لكنه عندما سألنى: كم سأدفع فى هذا الحوار الذى سأجريه معه.

تكلمت مبديا اعتراضى على أسلوبه الذى يغلفه بكثير من الغرور وقلت: لن أدفع شيئا، فليس هكذا تجرى الحوارات فى بلاد الدنيا، ثم إن الكاتب أو المفكر هو صاحب المصلحة الأولى فى إجراء أى حوار معه، لأنه - والحالة هذه - سيكون قريباً من قراء الصحف التى تنشر حواراته وأخباره.. فتشنج عبدالرحمن بدوى، وقال فى تحد وعناد: إن توفيق الحكيم كان يطلب مقابلاً للحوارات معه، ولست بدعاً عندما أطلب أجرى.

قلت: يا سيدى، لقد أسعدنى أن توافق على إجراء الحوار لجريدة الأهرام، ولم يخطر ببالى أن أدفع مقابلاً خصوصاً أن الجريدة لن تدفع. عندها أخذ «يرغى» ويزيد ويقول فى كلمات سريعة كالرصاص: إن الأهرام ليست فقيرة، وأنا لا أضيّع وقتى فيما لا يعود علىّ بالنفع، فإما أن تدفع وإما فلا حوار.. قال ذلك دون أن ينتظر إجابتى، ثم قذف بفرنكين ونصف الفرنك مقابل القهوة التى احتساها.. وخرج مسرعاً من المقهى وذاب فى الزحام.

استغربت هذا السلوك من فيلسوف بحجم ووزن عبدالرحمن بدوى، وأدهشنى أكثر حرصه على جمع المال.. وتذكرت ما كان قاله لى الكاتب الكبير أنيس منصور ذات يوم: الدكتور عبدالرحمن بدوى لم يتزوج، ومن ثم لا تلقى على عاتقه مسئولية أسرة وأولاد، وله أكثر من 350 كتاباً، يجنى منها أموالاً كثيرة، وهو يسكن حجرة فوق سطوح فى فندق لوتيسيا بالحى اللاتينى، ويمضى سحابات النهار فى المكتبة الوطنية.. فلماذا كل هذا الحرص على جمع المال.

ذكريات الحكيم
وفى ميدان ذكريات الحكيم «أوديون» الذى يقع فيه الكوميدى فرانسيز وذابت فى أجوائه ذكريات ساخنة لكاتبنا الراحل توفيق الحكيم، لما روى ذلك بنفسه فى كتابه «عصفور من الشرق»، وجدتنى ذات يوم أبحث عن عنوان الكاتب الفرنسى الكبير ريجيس ديبريه الذى كان حدد لى موعداً لزيارته بعد وساطة من صديقه الكاتب المصرى الذى يعيش فى باريس منذ نحو نصف قرن «بهجت النادى»، فى الساعة والدقيقة المحددة طرقت الباب، ففتحت لى سيدة فى الأربعين من عمرها، رسم الزمن تجاعيد عميقة على وجهها، وكانت تربط على خصرها رقعة القماش الخاصة بالعاملين فى المطبخ أو الشغالات.. ودون أن تبتسم أو تسألنى من أنت، تقدمتنى بخطوتين وكان على أن أتبعها فى حالة من السكون والرهبة.. خلتنى للحظة أجوس داخل إحدى كنائس حى سان جرمان العتيقة.

انحرفت وراءها يميناً ثم يساراً، وكانت الجدران - كل الجدران - منذ باب الشقة وطوال سيرى تحتضن الكتب من كل لون وصنف فى ترتيب ونظافة لم أجد مثيلاً لهما فى بيوتات ومكتبات كثيرة، وفجأة وجدتنى أمام حجرة كبيرة يجلس فى وسطها الكاتب الفرنسى الكبير ريجيس ديبريه، مرتديا قميصاً أحمر والمكتب أمامه فارغ تماماً من كل شىء فلا توجد عليه ورقة واحدة أو كتاب أو حتى قلم، وأمام المكتب الذى يميل إلى اللون البنى الفاتح مثل لون الباركيه الذى يغطى الأرض، ورفوف المكتبات التى تبطن الجدران، وجدت كرسيين طويلين متقابلين، اختار «ريجيس دبيريه» أن يجلس على أحدهما - بعد أن حيانى بحرارة، وترك لى الآخر وبدأ حديثه بالثناء على صديقه الكاتب المصرى بهجت النادى الذى ربطته به - كما قال - سنوات نضال قديم.

المعروف أن ديبريه كان صديقا لجيفارا، ولذلك كانت تربطه بالحركة التقدمية والشيوعية صلات ودوائر فى الأزمان الغابرة، وكذلك كان لبهجت النادى صولات وجولات فى الحركة الشيوعية والماركسية المصرية.

الحوار كان ممتعا ودار حول ملامح العالم الجديد بعد سقوط المعسكر الشرقى، لكنه تركز فى النهاية على الكتاب الذى وصفه ديبريه قبل فترة وهو بعنوان: »خيانة المثقفين« والذى طالب فيه بأن يحفر كل مثقف قبره بيديه، واتهم فيه المثقفين بأنهم طبقة من المرتزقة والأفاقين الذين يزورون التاريخ فى خدمة أغراضهم أو أسيادهم، واختاروا أن يلعبوا دور «الندماء» بعد أن تنكروا لمهمتهم الأساسية، وهى حمل شعلة التنوير والتثقيف، وأشهد بالحق أننى بعد أن تركت ديبريه فى منزله الجميل الهادئ أخذت أقارن بين طبقة المثقفين الفرنسيين التى خصها بنقده، وبين المثقفين فى مصر الذين باعوا القضية، وأصبح كل همهم هو التقوقع فى المناصب العليا لكسب الأموال والاستمتاع بالنفوذ والصولجان، وحدثتنى نفسى -وهى ليست أمارة بالسوء دائما- بأهمية تجديد دعوة ديبريه للمثقفين وتعميمها على أن نصوغها كما يلى:
على كل مثقف أن يحفر قبره بيديه.

نسائم مصر
المكان الآخر الذى تهب علينا منه نسائم مصر صيفا وشتاء هو المركز الثقافى المصرى الذى يقع فى الحى اللاتينى ويتوسط الطريق الذى يصل بين حديقة لوكسمبورج وحى مونبرتاس الشهير.. وتذكرت الندوات العديدة التى نظمناها باسم اتحاد المصريين فى باريس »معروف أن عدد المصريين فى العاصمة الفرنسية كان يبلغ حوالى 100 ألف مصرى، ولعل أشهرها الندوة التى خصصناها للمصريين عن عملاق الأدب العربى عباس العقاد وشارك فيها المستشرق الفرنسى روجيه أرنالدز المتخصص فى المرحلة الإسلامية فى إسبانيا والدكتور جلال بن ناصر الذى شغل منصب وزير الثقافة فى المغرب فى تاريخ لاحق، والبروفيسور محمد أركون أستاذ الدارسات الإسلامية فى جامعة السوربون وهو من أصول جزائرية، وشارك فى الندوة أيضا التى عقدناها فى أوائل تسعينيات القرن الماضى الشاعر الكبير أحمد عبدالمعطى حجازى والكاتب المصرى المغترب د.عبدالرشيد محمودى، وأشرف على تنظيم الندوة الدكتور أحمد حسن البرعى، الذى كان يشغل منصب المستشار الثقافى المصرى فى ذلك الوقت.

الندوة حضرها عدد كبير من المصريين والفرنسيين المهتمين بالثقافة العربية، وصال المشاركون فيها وجالوا فى فكر عباس العقاد وتحدث أحمد عبدالمعطى حجازى عن العقاد كمثل أعلى له، وقال إنه يرى فى نفسه صورة أخرى من العقاد سواء كانت فى البدايات أو النضال من أجل الفكر أو حمل مشعل التجديد فى الشعر.

وأثنى محمد أركون على مدرسة العقاد العقلانية وقال: ما أحوجنا إلى استدعائها اليوم قبل أن يطبق على حياتنا الغربان والبوم.. وتوقف جلال سيناصر عند عصامية العقاد وقال إنها أصبحت كالعنقاء.. انصرفت ولم يعد لها وجود.. وحرى بأبنائنا استحضار حياة العقاد والاقتداء بها وأسهب روجيه أرنالدز فى تثمين المؤلفات الإسلامية لعباس العقاد وقدرته على الهضم والاستيعاب ثم الكتابة بروح مصرية فريدة.

وقال إنه كان عقلانيا ووفيا لمدرسة الإمام محمد عبده الإصلاحية خصوصا فى الدين واللغة.
وتحدث د. عبدالرشيد محمودى عن الثقافة الأنجلوسكسونية عند العقاد وتأثيرها على رؤاه فى الفكر والسياسة باعتباره كان كاتب حزب الوفد الأول وارتباطه الشعورى بزعيم الأمة فى ذلك الوقت سعد زغلول، ولا يمكن أن أنسى أن هذه الندوة قد غمرت الحاضرين بحالة من الوجد غير مسبوقة وأبرز فيها الجميع شكلا من أشكال الانتماء والتعبير عن حب الوطن.. وإن تجلى ذلك فى الحديث عن علم من أعلامها وهو عباس العقاد.

مرة أخرى شهدت قاعة المركز الثقافى ندوة اقتصادية تحدث فيها الاقتصادى الكبير الراحل، على نجم الذى كان محافظا للبنك المركزى فى النصف الثانى من التسعينيات كما كان يشغل فى باريس رئيس مجلس إدارة اتحاد المصارف والبنوك العربية والفرنسية وكان يتمتع بسمعة اقتصادية رفيعة المستوى ولذلك كان حديثه حديث العليم ببواطن الأمور وكانت الأرقام التى يقولها - مستشهدا- صادقة وصادمة فى آن واحد.

هكذا.. باريس
بعيدا عن المركز الثقافى أذكر أن مرسما متواضعا لفنان مصرى يدعى عادل جورجى قد شهد لقاء نادرا ضم المفكر الكبير لويس عوض والفنان جورج بهجورى والفنان النحات آدم حنين وزوجته، ثم المصور العبقرى رمسيس مرزوق، ولقد أصر الدكتور لويس عوض على أن أصطحبه فى هذا اللقاء ليناقشنى فيما ذكرته حول شخصه فى إحدى الندوات وكانت عيناه طفرت بالدموع تأثرا مما قلته بشأنه، وأذكر أننا تحولنا فى هذا اللقاء إلى سائلين، فكلنا يحمل فى صدره أسئلة تؤرقه وكان الدكتور لويس يجيب والابتسامة لا تغادر وجهه.. حتى فوجئنا بعد ساعة ويزيد قليلاً أنه يريد أن يعود إلى فندقه الأثير فندق فلوريدا والواقع فى شارع المدارس الكبرى يحتضن الكوليدج دى فرانس معقل حركة الاستشراق الفرنسية.. وعندما طلبنا منه أن يمضى معنا نصف ساعة أخرى.. صرخ وقال أريد أن أعود إلى الفندق حالا.

فنظرنا إلى بعضنا البعض فى حيرة وكأننا نسأل ماذا جرى، لكن امتثلنا لرغبته وانفض اللقاء. هكذا هى باريس تعج بأحداث شتى وتموج بحركات الفكر من كل لون وصنف لكن وسط هذا الزحام تصر الثقافة المصرية والعربية أن تحفر لنفسها مكانا بحيث باتت تختلط بالنسائم المصرية على الأقل فى أنوف المصريين. فالأماكن العامة والميادين والحدائق شغلت مساحة كبيرة فى عقول النخبة المصرية، فمصطفى كامل مر من هناك، وقبله الإمام محمد عبده وأستاذه الأفغانى، وتلاميذهما أمثال أمين لطفى السيد وشاعر النيل حافظ إبراهيم ولا ننسى بعثة الطهطاوى ورفاقه، ثم طه حسين وزكى مبارك وعبدالرازق السنهورى وصبرى السوربونى الذى كنى بالسوربونى نسبة إلى جامعة باريس «السوربون» ومحمد حسين هيكل وأمير الشعراء أحمد شوقى وبقية أعلام النهضة المصرية الذين مثلت باريس فى حياتهم محطة فكرية لا مناص منها.. ويبقى أن الأماكن لا معنى لها بدون الأشخاص الذين يسبغون على هذه الأماكن من نفوسهم وأرواحهم.

فباريس قد تكون فولتير وروسو وفيكتور هوجو وموليير لكنها أيضا الطهطاوى ومحمد عبده وطه حسين ومحمد مندور، إنها زيارة إلى عاصمة النور باريس ولكن من الباب الخلفى وقراءة للمدينة الجميلة ولكن على صفحة العقل المصرى الذى تأثر بكل ما فيها من أحداث لكنه أثر فيها أيضا فى إطار الحوار الذى تجيده الحضارات والثقافات، لكن للأسف يجهله الرؤساء ورجال السياسة.

متحف اللوفر:
من أهم المتاحف الفنية فى العالم كله، ويقع على الضفة الشمالية لنهر السين فى باريس، وكان عبارة عن قلعة بناها فيليب أوغوست عام 1190، تحاشيا للمفاجآت المقلقة أوأى هجوم على المدينة أثناء فترات غيابه الطويلة فى الحملات الصليبية، وأخذت القلعة اسم المكان الذى شُيدت عليه. وخضع فى عهد الرئيس الفرنسى الراحل فرنسوا ميتيران إلى عمليات إصلاح وتوسعة كبيرة.

برج إيفل:
برج حديدى بالقرب من نهر السين فى باريس، حمل اسمه عن مصممه غوستاف إيفل

جامعة باريس:
من أعرق الجامعات الأوروبية، وتوجد فى الحى اللاتينى للعاصمة الفرنسية، تأسست فى العام 1253 بجهود روبير دى سوربون (Robert de Sorbon) المرشد الروحى للملك لويس التاسع ملك فرنسا.

قسمت جامعة باريس سنة 1970 إلى 13 جامعة. وهناك اليوم من الجامعات الثلاث عشرة المستقلة حاليا، أربع لها وجود فى مبنى السوربون التاريخى وهى جامعة باريس الأولى (بانتيون-سربون)، وجامعة باريس الثالثة (سربون الجديدة)، وجامعة باريس الرابعة (باريس-سربون) وجامعة باريس الخامسة (باريس ديكارت)، ولجميعها مقرات بالبنايات القديمة للسربون، وتشمل ثلاث منها «السوربون» فى أسمائها.


لمعلوماتك..
86.9 كيلو متر مربع المساحة الكلية لباريس
2 مليون و300 ألف نسمة عدد سكان العاصمة الفرنسية

لا توجد تعليقات على الخبر

اضف تعليق

مشاركتك بالتعليق تعنى أنك قرأت بروتوكول نشر التعليقات على اليوم السابع، وأنك تتحمل المسئولية الأدبية والقانونية عن نشر هذا التعليق

بروتوكول نشر التعليقات من اليوم السابع

الأكثر تعليقاً