خالد الشريف يكتب من رؤية إسلامية:

سيد قطب وعبد الناصر .. من علاقة حميمة إلى حبل المشنقة

السبت، 11 أكتوبر 2008 - 07:44 م

إعدام عبد الناصر لسيد قطب مازال يحمل عديداً من الأسرار إعدام عبد الناصر لسيد قطب مازال يحمل عديداً من الأسرار

خالد الشريف

رغم مرور أكثر من أربعين عامًا على إعدام المفكر الإسلامى سيد قطب فى عهد الرئيس جمال عبد الناصر، إلا أنّ كثيرا من الأسرار لم تُكْشَفْ بعد حول أبعاد وأسباب إعدام سيد قطب، والذى كان حليفًا قويًّا، ومُقَرَّبًا للثورة فى بدايتها، بل أحد مفكريها والمروجين لها.

ولا يختلف اثنان أن سيد قطب أُعْدِمَ ظُلْمًا وعدوانًا، وكان ذهابه خسارةً كبيرةً لهذا الوطن، حتى إن العرب بَكَوْهُ من المحيط إلى الخليج، ولم تُفْلِحْ وساطة بعض الحكام لدى عبد الناصر، وعلى رأسهم الملك فيصل رحمه الله، والرئيس العراقى عبد السلام عارف رحمه الله، فى ثَنْى عبد الناصر عن تنفيذ حكم الإعدام. وليس عجيبًا أنْ يبكى العَرَبُ هذا المفكر العملاق، الذى عاش فى ظلال القرآن، مُبْدِعًا ومُفَكِّرًا وأديبًا، ولكن الدارس لحياة سيد قطب يَلْمَحُ هذا التحول العجيب للعلاقة بينه وبين عبد الناصر، من تواصل واتفاق، واتحاد فى الرؤية والهدف، إلى مشنقةٍ تلف حبلَهَا حول عنق المفكر، ليبقى صاحب الكرسى!

ولذلك كان من الأهمية بمكان معرفة العلاقة بين سيد قطب وقادة ثورة يوليو، وعلى رأسهم عبد الناصر.

وبدايةً من المهم أن نعرف أنه كان للإخوان المسلمين تنظيمٌ قوى قبيل قيام الثورة، وأنهم لم يكونوا بِمَعْزِلٍ عن الساحة السياسية والتطورات التى شهدتها مصر فى تلك الفترة، حتى إن كثيراً من المحللين يرون أنّ تنظيمهم الفكرى والاجتماعى والسياسى كان أكثر نضوجًا من تنظيم الضباط الأحرار، زِدْ على ذلك أن بعض الضباط الإسلاميين كانوا شركاء حقيقيين مع الضباط الأحرار بقيادة جمال عبد الناصر فى صنع الثورة ودعمها، كما لا ينكر أحدٌ محاولة محمد نجيب، الرئيس الأول لمصر، بعد الجلاء البريطانى، التقربَ من الإخوان المسلمين من أجل احتواء قوتهم، لكنَّ سعيه هذا كَلَّفَهُ العزل من منصبه، وفرض الإقامة الجبرية عليه!

وكانت العلاقة بين سيد قطب وضباط 23 يوليو، علاقةً حميمةً قبل اندلاع الثورة وبعدها، بل كان يُعَدُّ الْمُنَظِّرَ الفكرى للثورة! وتروى لنا بعضُ المصادرِ أنَّ الضباط الأحرار قُبَيْلَ الثورة كانوا يتشاورون مع سيد قطب حول ترتيبات الثورة وأسس نجاحها، والذى يؤكّد ذلك أنه تم تعيينه من قِبَل قيادة الثورة مستشارًا لها فى الأمور الداخلية، وأوكلت له مهمة تغيير مناهج التعليم التى عُمِل بها فى مصر، والتى أكل الدهر عليها وشرب.

ولا أحد ينكر قيمة المقالات التى نشرها سيد قطب، ودعا فيها الشعب المصرى للخروج على سياسة القهر والرجعية المصرية، على تثبيت دعائم الثورة، ومنحها شرعية فكرية وجماهيرية لدى الناس.

وقد حاول سيد قطب التوفيق بين عبد الناصر والإخوان عندما اشتد الخلاف بينهما، ولكنه انحاز فى نهاية الأمر إلى الإخوان، رافِضًا جميع المناصب التى عرضها عليه عبد الناصر، مثل وزير المعارف، ومدير سلطة الإذاعة.

وسرعان ما توجس سيد من تصرفات قيادات الثورة، حتى إنه صارح بعض خلصائه قائلًا: لا أجد فى تطور الثورة ما يريح، فهؤلاء الأمريكان يحاولون احتواءها بدلا من الإنجليز!

ويروى الأستاذ أحمد عبد الغفور عطار- الأديب الحجازى المعروف والصديق الأثير لسيد قطب- عن صلة سيد برجال الثورة بعد قيامها، فيقول: بَلَغَ من احترام الثورة لسيد قطب، وعرفانها بجميله وفضله، أن كل أعضاء مجلس قيادة الثورة كانوا مُلْتَفِّين حوله، ويرجعون إليه فى كثير من الأمور، حتى إنه كان المدنى الوحيد الذى يحضر جلسات مجلس قيادة الثورة أحيانا، وكانوا يترَدَّدُون على منزله فى حلوان بل إنه أول من طرح كلمة "ثورة" بدلا من انقلاب عسكرى لحركة 32 يوليو.

ويتابع عطار كلامه، كما ينقله لنا الدكتور صلاح الخالدى فى كتابه "سيد قطب: الأديب الناقد، والداعية المجاهد والمفكر المفسر الرائد"- دار القلم- دمشق:
"قرر مجلس قيادة الثورة أن يسند إلى سيد قطب منصب وزير المعارف - ونشرت مجلة آخر ساعة القرار - ولكن سيد قطب اعتذر، ورجوه أن يتولى منصب المدير العام للإذاعة، فاعتذر!
وأخيرا وافَقَ على أن يكون السكرتير العام لهيئة التحرير..(وهى وظيفة تعنى أنه تقريبًا الرجل الثانى فى الدولة) ولَبِثَ سيد قطب فيها شهرًا واحدًا، فسرعان ما بدأ الخلاف بين سيد قطب وبين عبد الناصر وزملائه، مما اضطره إلى الاستقالة من هيئة التحرير.

وسيدٌ قطب نفسه يروى عن صلته برجال الثورة بعد قيامها، فيقول: "استغرقتُ فى العمل مع رجال ثورة 23 يوليو 52، حتى شهر فبراير 1953. عندما بدأ تفكيرى وتفكيرهم يفترق حول هيئة التحرير، ومنهج تكوينها، وحول مسائل أخرى فى ذلك الحين، لا داعى لتفصيلها". ويقول:"كنت أعمل أكثر من اثنتى عشرة ساعة يوميا، قريبا من رجال الثورة".

وهذا يكشف جانباً مميزاً فى سيد قطب، باعتباره أديبا مرموقا رقيق المشاعر، فقد كان صادقا إذا أحب، صادقًا إذا كره، وطبيعته المعروفة عنه الصدق مع النفس، والجرأة فى قول الحق وهذا ما أزعج رجال الثورة، الذين لا يحبون هذا المسلك الأخلاقى فى إدارة الأمور! وعلى رأسهم عبد الناصر.

وكانت هناك أواصر كثيرة تجمع بين قطب وعبد الناصر، فى تلك العلاقة النادرة فى تحولاتها وآثارها على مصر كلها!

فكلاهما صعيدى من أسيوط؛ سيد من مواليد "أموشا"، وعبد الناصر من "بنى مر"، فالصفات "الصعيدية" تجمع بينهما، من حيث الإيمان بالمبادئ التى يعتنقها كل واحد منهما، والحدة فى الخلاف.

وقد جمع بينهما أيضا حب الوطن، والإيمان بفكرة الاستقلال، وتطهير مصر من الاستعمار، وكراهية الغرب وأمريكا.

ولكن يبدو أن ما كان يفرقهما تغلب على ما يجمعهما، وكان أبرز ما يفرق بينهما أن سيد قطب كان أديبًا، وشاعراً، رقيق العواطف، بينما كان عبد الناصر عسكريًّا حادًّا، بعيدًا عن العواطف العلاقات الإنسانية.

إلا أنّ بعض الباحثين يرى أن السبب الرئيس للخلاف الذى انتهى بموت سيد قطب، هو أن سيدًا كان ضَحِيَّةَ الخلافات بين عبد الناصر والإخوان، فهو لم يكن صاحب خلاف عميقٍ مع عبد الناصر يؤدى به إلى ذلك المصير على حبال المشانق.

ومن أمثال أصحاب هذه الرؤية الكاتب الإسلامى محمد سيد بركة، صاحب كتاب "سيد قطب أوراق منسية".

لَكِنَّ مما يثير شجونًا فى النفس ذلك السؤال: كيف هان سيد على عبد الناصر، وهو مُتَّهَمٌ فى قضية هو منها بريء، وهى تكوين تنظيم مسلح لاغتيال عبد الناصر!! والقضية من أولها إلى آخرها من صنع المخابرات العسكرية! وإن فَرَضْنَا جدلا بصحة وجودها، فإن سيد قطب لم يشارك فيها، ولم يَعْلَمْ عنها شيئًا؛ لأن طبيعته كمفكر وأديب وشاعر أبعدُ ما تكون عن التنظيمات السرية المسلحة، فصاحب القلم لا يلجأ إلى البندقية أبدًا، فضلا أن ذكاء سيد قطب يمنعه من الوقوع فى هذا الفخ، والسير فى هذا الطريق!

ومرة أخرى ..كيف هان لعبد الناصر أن يُعْدِمَ مفكرا كتب عنه أستاذه الدكتور مهدى علام، فى تقديمه لرسالة (مهمة الشاعر فى الحياة) التى ألقاها سيد قطب كمحاضرة فى دار العلوم، فقال عنه: (لو لم يكن لى تلميذ سواه لكفانى ذلك سرورًا وقناعة، ويعجبنى فيه جرأته الحازمة التى لم تَسْفَهْ فتصبح تهورًا، ولم تَذِلّ فتغدو جبنًا، وتعجبنى فيه عصبيته البصيرة، وإننى أُعِدُّ سيد قطب مفخرةً من مفاخر دار العلوم"!

هذا المفكر العملاق الذى ألَّفَ أكثرَ من 32 كتابا، يأتى على رأسها كتابه الرائع "فى ظلال القرآن الكريم" فى 6 أجزاء.. ولكن حياته الفكرية لم تطل، إذ ما إن ولى وجهه عن الثورة حتى لاحقوه بالتهم والاعتقالات..

فكان أول اعتقال لسيد قطب عام 1954م لمدة شهرين مع قيادات الإخوان المسلمين، ثم أعيد اعتقاله مرة أخرى بعد (حادث المنشية)، الذى اتهم عبد الناصر جماعة الإخوان المسلمين بتدبيره ومحاولة اغتياله .. وكان من جملة المعتقلين الأستاذ سيد قطب، وصدر ضده حُكْمٌ بالسجن 15 سنة، ثم تَوَسَّطَ له الرئيس العراقى عبد السلام عارف، فأُفْرِجَ عنه بعفوٍ رئاسى.

وفى عام 1965م أعاد عبد الناصر المواجهة مرة أخرى بينه وبين صديقه القديم، فأعلن من موسكو -وكان فى زيارة لها- عن اكتشاف مؤامرة(!) دبرها الإخوان المسلمين بقيادة سيد قطب لاغتياله، وقلب نظام الحكم.

فاعتقل سيدٌ مرة ثالثة، وذاق أصنافًا وألواناً من العذاب على يد زبانية التعذيب فى العهد الناصرى!

ولم يؤثر هذا التنكيل على سيد، بل كان ثابتاً صامداً جريئًا أثناء محاكمته القصيرة، والتى حيل فيها بين المحامين الأجانب وممثلى هيئات الدفاع عن حقوق السجين من المرافعة عنه فيها، أو حضورها!

وألقى عبد الناصر ورقته الأخيرة إلى قطب، لعل الصاحب القديم يلين إلى سلطان صاحبه الجالس على الكرسى، فأرسل إليه فى ليلة تنفيذ الحكم، عارضًا عليه الاعتذار، أو أن يكتب سطرًا واحدًا يطلب فيه الرحمة من الرئيس جمال عبد الناصر . .ولكن ما كان لمثل سيد فى عناده وجرأته وإيمانه بما يعتقد أن يقبل بمثل هذا العرض .. فرفض العرض الأخير فى حياته كلها، قائلاً كلماته الخالدة: "إنّ إصبع السبابة الذى يشهد لله بالوحدانية فى الصلاة، يَأْبَى أن يكتب كلمة يتقرب بها لحاكم طاغية، فإنْ كنتُ مسجونًا بالحق فأنا أرتضى حكم الحق، وإن كنتُ مسجونًا بالباطل، فأنا أكبرُ من أن أسترحم الباطل".

وتوالت البرقيات الشافعة من مختلف أنحاء العالم إلى الرئيس المصرى جمال عبد الناصر، تطالبه بإلغاء حكم الإعدام عن سيد قطب .. ولكنه رفض أيضا بإباء وعناد!!

وفى يوم 28 من أغسطس 1966 تلقى عبد الناصر رسالةً من الملك السعودى فيصل بن عبد العزيز، يتوسط فيها للعفو عن سيد قطب الذى قضت المحكمة العسكرية بإعدامه، وأوصل سامى شرف البرقية لجمال عبد الناصر فى ذلك المساء، فقال جمال عبد الناصر لسامى شرف: (أعدموه فى الفجر ...بكرة، واعرض علىّ الرسالة بعد الإعدام)!! ثم أرسل عبد الناصر برقية اعتذار للملك، مُتَعَلِّلًا بأن رسالة الملك وصلته بعد تنفيذ الحكم!!
وسقطت ورقة العمر الأخيرة من شجيرة قطب فجر يوم 29 / 8 / 1966م

وهكذا سيق المفكر الإسلامى الكبير إلى حبل المشنقة مرفوع الرأس، شجاعا، مُصِرًّا على عدم التراجع عما اقتنع به، وعمل من أجله.

فكان إعدامه رحمه الله حدثًا أليمًا، أَلْقَى بظلاله السوداء على العالم الإسلامى، وأقيمتْ صلاةُ الغائب فى أكثر من بلد فى الشرق والغرب، وأصدرت الصحف الإسلامية وغيرها أعدادًا خاصة عن سيد قطب، وطاردت اللعنات قاتليه، حتى توقع الكثيرون أن تصيبهم قارعة بما ظلموا .. فلم تَمْضِ شهورٌ حتى وقعتْ نكبة عام 1967م، وكتب يومها علَّال الفاسى الزعيم المغربى يقول: (ما كان الله لِيَنْصُرَ حربًا يقودها قاتل سيد)!

وهكذا حاوَلْنَا كشف الحقيقة، حتى وإن كانت مريرةً؛ ليتعلم الشباب منها ويعتبر، ويستفيدَ الناس من تاريخهم الذى مضى.

وقد مضى سيد قطب إلى ربه، ولا نملك له سوى الدعاء أن يتقبله الله عنده من الشهداء، ومضى عبد الناصر إلى خالقه ومولاه، ولا نملك له سوى الدعاء بالمغفرة والرحمة، إنه وَلِى ذلك والقادر عليه.

لا توجد تعليقات على الخبر

اضف تعليق

مشاركتك بالتعليق تعنى أنك قرأت بروتوكول نشر التعليقات على اليوم السابع، وأنك تتحمل المسئولية الأدبية والقانونية عن نشر هذا التعليق

بروتوكول نشر التعليقات من اليوم السابع

الأكثر قراءة

الأكثر تعليقاً