ثقافة

أيام أمى شعر‏:‏ أحمد عبد المعطى حجازى

الجمعة، 02 أكتوبر 2009 09:12 م

احمد عبد المعطى حجازي

هذه أمى التى ماتت، وقد قاربت التسعين
لم تعرف من الأيام إلا ما انقضى من عمرها
وانطوت آثاره فى صدرها‏!‏
لم تكن أيامها إلا نهارات

تسير الشمس فيها من جدار لجدار
لم تكن إلا نهارا ينقضى إثر نهار
لم تكن أيامها إلا نهارا واحدا

تقطعه عودا على بدء‏، توافى نولها
تنسج ما يغزله الفجر من العتمة والضوء،‏
وما تحمله الطير لها

فإذا ما غابت الشمس‏، وضاقت حولها الآفاق‏،‏
هدت غزلها
ثم نادت أهلها الموتى‏،
وقالت قولها فيهم

وشدت فى المساءات إليهم رحلها‏!‏
منذ كانت طفلة، ‏كان لها الفقدان بالمرصاد،‏
لا تمنحها الأقدار إلا ريثما

تسلبها الأقدار ما فى يدها
فلها الأمس الذى أصبح عمرا ثانيا
يمتد باليوم الذى تفقده من غدها
ولها من أهله الموتى رسوم فى محاريب

تناديهم‏، فلا يسمعها غيرى،‏
ولايبكى سواى‏!‏
وأنا أذكر أمى فى صباها وصباى
كنت طفلا،‏

لا أرى فى المرأة الكاشفة الساقين
إلا أنها أمى التى تجلس للمرآة
تفشى عطرها الفواح
أو ترسم فيها كحلها

ثم تمشى فى ظلال الصيف كالطيف‏.‏
لها خدان من ورد
وعينان كما لو كانتا

من ذلك الحلم الذى تسهر فيه ليلها
كنت طفلا‏، لا أرى فيها سوى أمى
وكانت هى لا تعرف فى الطفل
الذى يملأ من فتنتها عينيه‏..‏ إلا طفلها‏!‏

لم يكن إلا أنا فى بيتها
فلمن كانت إذن زينتها
وهى تنادى أهلها الموتى
بما فى صوتها من شجن عذب‏،‏

وما فى صمتها
وأنا أتبعها منفطر القلب‏، وأبكى مثلها‏!‏
كنت مسحورا
وكان الموت قد أصبح فى أغنياتها جارا لنا

أو شقيقا توأما للراحل الغائب
يأتى معه فى حلمنا
يتراءى الوجه فى الوجه كظل راقص فى الماء،‏
أو مثل فراش حائم

من فوق وجه نائم
ينأى بعيدا‏، كلما نادته أمى
وهى تعدو خلفه واولداه‏!‏
وكأنى لم أكن طفلا،‏

وأمى لم تكن تلك التى تبكى ذويها
وهى تعدو فى الضحى
حافية محلولة الشعر،‏
كما لو أنها كانت تصلى لإله لا نراه‏!‏

وأنا أتبعها فى وحشة الدار،‏
وأعدو معها خلف جمال فاجع
يهرب من ذاكرتى إيقاعه الآن
وتستخفى رؤاه‏!‏

هكذا سارت بها الأيام،‏
لم تعرف سوى الفقد،‏
ولم يبق على العهد سوى الحزن
الذى كان لها خلا وفيا

مثلما كانت له خلا وفيا
لم تزل تبكى على الأموات حتى لم يعد دمع،‏
وحتى ابيضت العينان،‏
واسود المدى شيئا فشيئا

كلما فارقها لون من الألوان
كانت تقتفى آثاره بالذاكرة
وتلاقيه بوجه باسم فى سرها
وتنادينى
كأنى لم أزل فى حجرها‏!‏

نقلاً عن جريدة الأهرام