د. السباعى حماد يكتب: الحوالات الصفراء.. اللغز المحير

الخميس، 27 ديسمبر 2012 - 11:23

وزير المالية العراقى وزير المالية العراقى

مرة أخرى أكتب فى هذا الموضوع، ولم يحل بينى وبين الكتابة فيه ما يدور حاليا من ارتباك فى الحالة المصرية العامة وأحوال المواطن البائسة، فالاقتصاد المصرى يتعثر والدولة مقبلة على الإفلاس، والسعى لإيجاد حل لهذا الموضوع سيدر بلا شك دخلا إضافيا لا بأس به من العملة الصعبة المفيدة للبلد.


إنها مأساة حين تماطل أغنى دولة عربية بعد السعودية، وهى العراق، تماطل فى دفع أجور عمال خدموا عندها وعادوا، ثم تعرضهم للمذلة والمهانة لأكثر من 23 سنة، وفى بادرة غير مفهومة دفعت الحكومة العراقية أوائل هذا العام لمجموعة عمالة محصورة من 1/5/1989 إلى 30/6/1990، ويومها أعلنت أن ملف الحوالات الصفراء قد أغلق نهائيا، ثم تبين بعد ورود الأسماء أن هذا غير صحيح، وأنه يوجد الآلاف من حملة الحوالات الصفراء لم ترد أسماؤهم وتأجل أمرهم إلى أجل غير مسمى وإلى مفاوضات لا نهاية لها، ثم لا حديث عن فوائد لأموال هذه الحوالات التى تتأخر، أو المعاشات التى يستحقها هؤلاء العاملون بقدر سنوات خدمتهم.. وتمضى السنون، وتستمر حكومة العراق فى "الاستعباط" وأكل أموال الناس بالباطل! ثم يطل علينا وزير العمل العراقى ناصر الربيعى ويعلن فى القاهرة يوم الاثنين 12/11/2012 أن العراق سدد ""جميع"" الحوالات الصفراء، فما معنى تصريحات السيد الوزير، وفى أيدينا حوالات كثيرة لم تصرف؟

جزء كبير من المشكلة كان سببه الوفد المصرى المفاوض مع العراق أوائل عام 2012، عندما ذهب للتفاوض وليس لديه معلومات كاملة عما ذهب للتفاوض عليه، وقبل بأى شىء يعطى له على عجل، كما قال لى أحد أعضاء الوفد المفاوض بعد عودته: "بصراحة، لأول مرة أسمع أن هناك حوالات أخرى غير التى وصلت"!

إن الحوالات الصفراء التى فى حوزتى هى أجور عملى كأستاذ بكليات الطب العراقية ما بين 1991 إلى 2000، كانت واجبة الدفع فور رفع الحصار عام 2003، وعليها سعر الدينار العراقى 2ر3 دولار أمريكى، عدا فوائد التأخير، وعدا استحقاقى لراتب تقاعدى أيضًا نظرًا لخدمتى هناك لأكثر من 15 سنة... ولا شىء من كل هذا، وهى ليست مشكلتى وحدى بل مشكلة الآلاف من أمثالى كما ذكرت، وتمر السنون والعراق لا يهتم، وأصحاب الحقوق يموتون، ومن بعدهم تستمر الورثة فى المعاناة..

عندما يراجع أحدنا السفارة العراقية ومصرف الرافدين العراقى بالقاهرة، يسمع ردودا فى غاية الذلة والمهانة، دون اعتبار لشخصية هذا المراجع، سواء كان أستاذا جامعيا حاصلا على الدكتوراه من أمريكا أو كان عاملا بسيطا.. ومهما تكن صفته، إنه صاحب حق وفى يده مستندات وقدم هناك خدمة مهمة فى وقت كان العراقيون أنفسهم يتركون البلد!


أما وزاراتنا ذات العلاقة وهى الخارجية والمالية والقوى العاملة، إضافة إلى البنك المركزى، وحتى ديوان المظالم.. الجميع ردهم واحد: "نحن فى انتظار مفاوضات جديدة"! أى مفاوضات؟ إذا كان من بيده الحل وهو العراق يماطل ولا يريد الحل، وتعلم حكومتنا بظلم واقع على جزء من أبناء شعبها لعشرات السنين وتقف عاجزة.. نحن لا نريد منها إعلان الحرب على العراق من أجل موضوع بسيط كهذا، لكن هناك وسائل أخرى عديدة يمكن من خلالها إرغام العراق على الاستجابة ودفع ما عليه، كأن ترفع الأمر إلى منظمتى العمل العربية والدولية أو المنظمة العالمية لحقوق الإنسان أوغيرها، أو لتعلن لنا عجزها بشكل رسمى، فنفكر فى أخذ حقنا بأيدينا.

ما الذى يحدث؟؟ هل تعاقبنا حكومة العراق فقط لأننا خدمنا فى ظل حكم سابق هى غير راضية عنه؟؟ أم أنها فى ضائقة مالية؟ ومهما يكن، لقد قدمنا خدمات ولنا أجور، وفى أيدينا وثائق رسمية؟ ألا يدرك العراق أنه بذلك يخالف كافة الأعراف والمواثيق الدولية؟
لقد ذكرت فى مقالات سابقة كثيرة أنى خدمت لمدة تزيد على 18 عامًا فى كل مناطق العراق: الأكراد فى أربيل والشيعة فى الكوفة والسنة فى الرمادى وتخرج على يدى الآلاف من خيرة أطباء العراق يذكروننى إلى الآن وطوال حياتهم بكل ود واعتزاز، وقدم غيرى من المصريين أيضا خدمات لا تقل أهمية على كل الأطياف، فلماذا يرد علينا مسئولو السفارة العراقية ومصرف الرافدين بهذه الردود الهستيرية وكأننا فى حرب معهم؟

وإذا كانت حكومتنا مشغولة حاليا بظروفنا الداخلية الصعبة ولا حياة لمن يناديها، والعراق "يصهين" أو يماطل أو يرفض حل المشكلة، فمن يكسر هذه الدائرة الشيطانية المغلقة وكيف يتم حل هذا اللغز المحير؟







الأكثر تعليقاً