عثمان محمود مكاوى يكتب: ما شئت لا ما شاءت الأقدار

الإثنين، 3 ديسمبر 2012 - 12:58

الدكتور محمد مرسى رئيس الجمهورية<br>
الدكتور محمد مرسى رئيس الجمهورية<br>

لقد قامت الثورة المصرية وقدم الشهداء أرواحهم قربانا للحرية وإعلاء لكرامة الإنسان والقضاء على أسطورة الإله الحاكم ظل الله فى الأرض وأنزلته من عرش الاستبداد إلى أرض المحاسبة على أفعاله وقراراته الخاطئة والتى تؤثر على العباد والدواب.

لكن يبدو أن الثورة الآن فى مفترق طرق إما تستكمل مسيرة الحرية والديمقراطية وإما تأخذ منحى آخر نحو الاستبداد والطغيان .

وقد تأخذ هذا المنحى إذا لم يتراجع الدكتور مرسى رئيس الجمهورية المنتخب انتخابا حرا والذى أخرجته الثورة من غياهب السجون إلى رحابة القصور وفخامة الألقاب. إن الإعلان الدستورى الذى أقدم عليه الرئيس مرسى لا يتماشى مع روح الثورة التى قامت والتى ضحى المئات بل والآلاف من أجل إرساء مبادئها فى الحرية والكرامة الإنسانية وتلك المواد تكرس للديكتاتورية والاستبداد لا الديمقراطية.

بل إن الحجج التى سيقت من أجل ذلك هى حجج واهية أوهن من بيوت العنكبوت لو كانوا يعلمون .فمسألة إقالة النائب العام قد طالب بها الثوار منذ زمن فلماذا تيقظت الرئاسة لها الآن فقط . بعد أن صمت آذانها كل الفترة الماضية ناهيكم عن طريقة اختيار النائب العام الجديد فهل نجد فرقا فى طريقة تعيينه مقارنة بطريقة تعيين مبارك والتى قامت الثورة من أجل اقتلاع جذوره وإزاحة نهجه الضار الذى سار عليه للذى سبقه؟.. إذا كان النائب العام السابق ولاءه لمبارك فإننى أخشى أن النائب العام الجديد سيكون ولاؤه لمن عينه .

إننا نختلف فى أسلوب التعيين وطريقته لقد كان الأحرى بمن أشار على الرئيس مرسى أن يستشير أهل العلم من القضاة والفقهاء الدستوريين فى البحث عن آلية جديدة عند اختيار النائب العام تضمن بها حيادية واستقلالية النائب العام. كما أن الحديث عن إقالة النائب العام بحجة إعادة محاكمات قتلة الثوار ففندها النائب العام الجديد بقوله إن إعادة المحاكمات لن تتم بدون تقديم أدلة جديدة ! .

وهذا ما حاولت فيه لجنة تقصى الحقائق منذ شهور. وللأسف لم تأت بجديد. وذلك لأن من المفترض من يمتلك الأدلة هى جهات الأمن والذى ينبغى إعادة هيكلتها وتطهيرها كما ننادى بتطهير القضاء. لكن يبدو أن الرئيس مرسى يستند وسيستند على تلك الأجهزة فى الأيام القادمة وتأتى المادة التى تنسف الحكم الديمقراطى وتبعد مبدأ المحاسبة بل تدمره وهى المادة الخاصة بتحصين قرارات الرئيس من أى طعن عليها أمام القضاء. هذه المادة لم نشاهدها أو نقرأها فى أعتى الأنظمة الاستبدادية فى العالم .. تلك المادة ستحول الرئيس مرسى من مجرد مواطن عادى وسترفعه إلى مصاف الآلهة. لا أشكك أبدا فى وطنية الدكتور مرسى لكن لا أأمن مكر الله .

فالله قد يغير إنسانا ما بين لحظة عين وانتباهتها. كما أننى أؤمن بمقولة "إن الأوطان لا تحكم بالنيات" ولكن تحكم بمبادئ أخلاقية وقواعد دستورية تحفظ للمواطنين حقوقهم وواجباتهم وتحميهم من بطش السلطة وتغولها. فالسلطة مفسدة والسلطة المطلقة مفسدة مطلقة.

لعل العديد منا يتذكر إسماعيل باشا صدقى الذى كان يقاوم مع سعد باشا زغلول الاحتلال الإنجليزى وقد تم نفيه مع سعد زغلول مما أطلق شرارة ثورة 1919 وبعد تقلده رئاسة الوزارة مارس كل أنواع الاستبداد وأول من زور الانتخابات البرلمانية المصرية .

أرأيتم كيف فعلت السلطة بشخصية لها دورها فى الماضى فى مقاومة الاحتلال وحولتها من شخصية وطنية إلى شخصية استبدادية ؟!! . أثناء مشاهدتى للدكتور ياسر على المتحدث الرسمى للرئاسة وهو يلقى علينا مواد الإعلان الدستورى تذكرت بيتين للشاعر ابن هانئ الأندلسى يمتدح فيهما الخليفة الفاطمى المعز لدين الله
ما شئت لا ما شاءت الأقدار فاحكم فأنت الواحد القهار
و كأنمــــا أنت النبى محمد وكأنما أنصارك الأنصـار

وكأن ابن هانئ كان يقول تلك الأبيات للدكتور مرسى، وأخيرا فإننى أرى الوضع فى حالة صعبة ونار الفتنة تطل برأسها علينا لذلك من هنا أهيب بالدكتور مرسى بتجميد الإعلان الدستورى وليس إلغاءه ليحفظ ماء الوجه وأحب أن أذكره بأن الرجوع إلى الحق فضيلة.