نادر الشرقاوى

بدأت أسمع كثيرا "فين أيامك يا مبارك "

الأربعاء، 14 نوفمبر 2012 - 15:59

سائق التاكسى، هو عادة مقياس المزاج العام فى مصر فهو أقوى من مراسلين الصحف، يجوب الشوارع، ويرى بعينه عدد كبير من الأحداث اليومية التى بالتالى ينقلها ويحكيها لكل راكب يركب معه، فهو لا شك وكالة أنباء متنقلة، قيس على ذلك كم الأخبار المتداولة بين هذا العدد الهائل من سائقى التاكسى وملايين من الركاب يوميا.

بعد الثورة كان سائقى التاكسى عادة يرون الثورة على أنها المخلص من ضابط المرور القاسى، الذى يعامل السائقين معاملة العبيد، ومن بعده الكموسطبل، الذى يفرض إتاوات على السائقين للمرور من شارع ما، أو يتلكك بأى سبب لسحب الرخصة، إذا ما دفعوا له الرشوة، وعليه عندما كنا نركب التاكسى بعد الثورة مباشرة، كنا دائما نسمع من السائق، كم عظيمة هذه الثورة التى جعلت ضابط الشرطة يغير معاملته للسائقين.

هذا الطرح يعكس الإحساس العام لدى الشعب المصرى فى ذلك الوقت، وهو أن الثورة هى المخلص والأمل فى حفظ كرامة المواطن المصرى، التى أهدرت تماما أيام نظام مبارك.

المحطة الثانية كانت عندما قرر المجلس العسكرى طرح فكرة الاستفتاء على تعديل بعض مواد دستور 71 التى كانت ترسخ الدكتاتورية والتوريث فى عصر مبارك، لكن وكما نتذكر كانت النخبة السياسية ترى أن عمل دستور جديد للبلاد كخطوة أولى هو الأصلح والأنسب لبناء دولة حديثة، تليق بهذه الثورة العظيمة، وعلى الناحية الأخرى بدأت التيارات الإسلامية حشد البسطاء ضد فكرة عمل دستور جديد، بحجة أن العلمانيين يريدون دستورا منحلا يلغون تماما فكرة الشريعة الإسلامية فيه، ويرسخون لدولة غير أخلاقية حسب قولهم، وأنا شخصيا حضرت أحد الحورات المجتمعية فى هذا الوقت، لتوعية البسطاء عن أهمية كتابة دستور جديد، وقد تمت مهاجمتى بشدة من البعض، لأنهم يتصورون أن العلمانيين، كما سمتنا التيارات الإسلامية يريدون إقرار زواج المثليين فى الدستور، وحاولت الرد عليهم بأننا مسلمون مثلهم، ولا نرضى عن أشياء شاذة، ومع ذلك صمموا هؤلاء على أننا ضد الشرع وكان هذا يعكس مدى الفهم الخاطىء لمفهوم مدنية الدولة، وتأثير استخدام الدين والمتاجرة به على البسطاء.

لذلك كان سائقو التاكسى، يرددون أن التصويت بنعم على التعديلات الدستورية، هو المخرج لكى تظل مصر إسلامية، و السبب الأهم الذى كانوا يرددونه هو أن نعم تعنى الاستقرار حسب ما قيل لهم.

أما المحطة الثالثة، كانت قبل انتخابات البرلمان ببضعة شهور، حين حشدت التيارات الإسلامية جموع بسطاء الشعب على أنهم الحل والمخرج من الأزمة الاقتصادية، وأوصلت لهم فكرة أنهم البديل للنظام الفاسد، الذى أسقطته الثورة، ليعم بعد انتخابهم إعلاء الإسلام، وترسيخ العدالة الاجتماعية، وقطع أيدى الفاسدين، وعليه كان كل سائق تاكسى أركب معه متحمس جدا لانتخابات نواب من التيار الإسلامى، وكانت هناك كلمة تتكرر على لسان كل منهم، وهى " فلنعطيهم فرصة"بالفعل أعطاهم الشعب فرصة، وأعطاهم أغلبية أصواته الانتخابية، وبدأ يراقب البرلمان الذى كان شكله إسلاميا، وفى أول جلسة للبرلمان عندما أذن أحد النواب لصلاة الظهر، فى أثناء الجلسة الأولى كان سائق التاكسى الذى ركبت معه فى نفس الليلة، مستنكرا جدا هذا التصرف من ذلك النائب.

انتظر الشعب وراقب أداء البرلمان الذى حسب كلام الكثيرين، لم يلب تطلعات المصريين بعد الثورة، وتم حل البرلمان، ثم حدثت انتخابات الرئاسة، ولابد أن نتوقف هنا قليلا.

السائقين الذين كانوا يقولون" أعطوهم فرصة " ينتقدون بشدة أداء الإسلاميين، ويتمنون شفيق رئيسا، وعندما سألتهم لماذا شفيق، كان الرد شبه بالإجماع، لأنه الوحيد القادر على السيطرة على البلطجية، وتحقيق الأمن والاستقرار، وتحسين الاقتصاد بما له من علاقات عربية ودولية.

المحطة الرابعة، وهى فوز الدكتور محمد مرسى، بكرسى الرئاسة، وعلى الفور شعر نصف الشعب بالإحباط الشديد، والنصف الآخر بالفرحة، لكن مهم جدا أن نحدد من هم النصف الآخر، الذى فرح بفوز الدكتور مرسى، إنهم جميع التيارات الإسلامية، باستثناء بعض السلفيين، ثم التيارات الثورية التى وقفت بجانب مرسى، حتى لا يصل شفيق للحكم، ويعيد إنتاج النظام السابق.

و بعد هذه الشهور من فوز الدكتور مرسى، نصل إلى محطة جديدة غير متوقعة أسمعها تقريبا من كل سائق تاكسى أركب معه " فين أيامك يا مبارك".

و مع محاولاتى اليائسة لإفهامهم، وإقناعهم أن أيام مبارك كانت فاسدة ومظلمة، وأن الثورة العظيمة قامت لإسقاط الطاغية تحت شعار "عيش حرية، كرامة إنسانية" قال لى آخر سائق ركبت معه "بقولك إيه يا أستاذ متصدعش دماغى بلا ثورة بلا إخوان إحنا كنا عايشين كويس أيام مبارك، وعمرنا ما وقفنا فى طابور بنزين وجاز، كان فيه أمن، وكنا راضيين"

فى تلك اللحظة نزلت على رأسى صاعقة وانتابنى كم إحباط شديد، الآن الشعب يتمنى أن تعود أيام مبارك، السؤال من هو المسئول، عما وصل إليه الشعب، لكى يفضل طاغية على الثورة ؟؟