د. محمد على يوسف

حتى صوت المعركة

الخميس، 9 يناير 2014 - 22:17

من خلف سحائب الغبار الكثيف الذى أثارته سنابك الخيل وأقدام المقاتلين تعالى صليل السيوف ودوت قعقعات المعركة.. قتال شديد يكاد ضجيجه يصم الآذان، فى ناحية من نواحى المعركة بدا ظلان يقتتلان فى مبارزة رهيبة يغلب على الظن أنها لن تنتهى إلا بموت أحدهما، إنه أسامة بن زيد فى مواجهة مميتة مع أحد صناديد المشركين، من الواضح أن الكفة تميل لذلك الشاب الحبيب لرسول الله هو وأبيه، غالبا لن تمر لحظات إلا وينال أسامة من خصمه، ها هو المشرك يسقط على ظهره منهكا وسيف أسامة يعلوه ليجهز عليه، رغم ضجيج الغزوة وصليل سيوفها المختلط بصهيل خيولها فإن صوتا علا فوق صوت المعركة.. أشهد أن لا إله إلا الله، صوت الكلمة يقرع أذنى أسامة، نعم لقد سمعها واضحة جلية، الرجل يشهد شهادة التوحيد الآن والسيف فوق رأسه!!.
ما هذا يا رجل؟! أو تظنه ساذجا؟! قطعا تقولها نجاة من الموت المحقق الذى يطل عليك برأسه من بريق سيف أسامة، لا شك أنك تصرخ بها هربا من ذلك النصل المحدق بك، ربما مرت تلك الخواطر برأس أسامة فى تلك اللحظات القصيرة والرجل يهتف بالشهادة فى وجهه، ولعل ذلك السيف قد قطع تلك الخواطر بينما ينفذ فى جسد الرجل كاتما صوته الصارخ بكلمة التوحيد، لقد مات الرجل!! لكن ماذا فى هذا؟ أو ليست معركة؟ إذا لا صوت يعلو فوق صوتها، «فكيف تصنع بلا إله إلا الله إذا جاءت يوم القيامة»، هكذا صاح النبى فى لحظة من أشد لحظات غضبه الذى ما كان يوما إلا لحرمة من حرمات الله تنتهك، لم يغفل النبى عن ذلك الصوت الذى علا فوق صوت المعركة، لم يقل كما يحلو للبعض أن يتشدقوا أثناء الأحداث المفصلية الفارقة: مش وقته.. بعدين.. المعارك لها احترامها، لم يقل: لا صوت يعلو فوق صوت المعركة، لقد علا صوت المبدأ والعقيدة، أفلا شققت عن قلبه؟!
هكذا عنف حبيبه وابن حبيبه الذى لولا تحريم التبنى لكان يدعى حفيده، وهكذا فعل مع خالد بن الوليد يوم وقع فى فعل مشابه فلم يمنع صوت المعركة من أن يعلو صوت الحبيب صادعا: اللهم إنى أبرأ إليك مما صنع خالد، وهكذا علمهم وعلم الأمة من بعدهم وهكذا علمه الله بعد معركة سالت فيها دماؤه الشريفة على وجهه فقال: «كيفَ يُفلِحُ قومٌ خضَّبوا وجهَ نبيِّهِم بالدَّمِ وَهوَ يَدعوهم إلى اللَّهِ؟!» فأنزل الله قوله يعلو على صوت كل معركة «لَيْسَ لَكَ مِنَ الْأَمْرِ شَىْءٌ أَوْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ أَوْ يُعَذِّبَهُمْ» وليتعلم وتتعلم الأمة رغم الألم أن هنالك أصواتا لا بد أن تعلو على صوت المعركة وكل معركة صوت العقيدة، صوت المبادئ، صوت الإنصاف، صوت الأخلاق، صوت العقل، وغيرها من الأصوات التى ربما لا تبدو عالية عند الناس أثناء المعارك لكنها ستعلو يوما بعدما يزول غبارها وتضع الحرب أوزارها وحينئذ ربما يكون الأوان قد فات ولا ينفع ندم، فى هذا العمود الأسبوعى وفى مقال قديم بعنوان «لا صوت يعلو فوق صوت المعركة» كتبت منذ شهور طويلة، محذرا من أنه ستأتى أيام يرفع فيها الجميع هذا الشعار ونصل إلى معركة صفرية لا يقبل فيها أحد مجرد اللوم والنقد أو حتى الاختلاف.
وها قد عشنا تلك الأيام التى ارتفعت فيها سيوف التخوين والتحقير فى وجه كل مخالف أو معترض بتلك الحجة: لا صوت يعلو فوق صوت المعركة. المبدأ الذى يطل برأسه ليسفه أى معارض ويطيح بأى مخالف ويمنع أى نقد ويكتم أى صوت لا يوافق معركته التى يعتقد ألا صوت يجب أن يعلو فوق صوتها، ويوما ما سيزول الغبار ويهدأ الضجيج وسيدرك الجميع أن صوت الحق وصوت الصواب وصوت المنطق والحكمة كان ينبغى أن يعلو على كل صوت، حتى صوت المعركة.




 


مشاركتك بالتعليق تعنى أنك قرأت بروتوكول نشر التعليقات على اليوم السابع، وأنك تتحمل المسئولية الأدبية والقانونية عن نشر هذا التعليق

بروتوكول نشر التعليقات من اليوم السابع